رأي

سلطة تُقايض الوطن: كيف رهنت بورتسودان البحر والذهب والسيادة لتبقى فوق جماجم السودانيين

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

تكشف التطورات الأخيرة حول عرض السلطة العسكرية في بورتسودان إنشاء قاعدة بحرية روسية على البحر الأحمر أن هذه السلطة لم تعد تبحث عن حلول لإنهاء الحرب، بل عن أي صفقة تبقيها متشبثة بالحكم مهما كان الثمن. فالمقترح الذي منح موسكو امتيازات تمتد لخمسة وعشرين عاماً، يشمل نشر جنود وسفن حربية نووية، والحصول على أولويات مطلقة في ذهب السودان، ليس اتفاقاً عسكرياً مشروعاً ولا خطوة استراتيجية محسوبة، بل هو عملية تفريط كبرى في سيادة السودان مقابل بقاء مؤقت على رأس سلطة فقدت مشروعيتها منذ زمن.

لقد أثبتت حرب الخامس من أبريل 2023م أن هذه السلطة تستخدم الحرب لا كوسيلة لحماية الدولة، بل كدرع تحتمي به من تساقط شرعيتها. وما إن طال أمد القتال وتعقّدت خرائط النفوذ حتى بدأت بورتسودان تبحث عن أي طرف خارجي يمدّها بالسلاح والمظلة السياسية، حتى وإن كان الثمن بيع البحر، وفتح الموانئ، والتخلي عن الموارد الحيوية. وكما قال جان جاك روسو ذات مرة: “حين تفقد الحكومات شرعيتها، تبحث عن القوة حيثما وجدت، ولو على حساب شعوبها.” وهذا ينطبق على ما يجري في السودان اليوم حرفياً دون مبالغة.

فالعرض المقدم لروسيا ليس سوى امتداد لسلوك متهور بدأ منذ الأيام الأولى للحرب، حين قبلت السلطة بالدعم الإيراني، ثم فتحت قنوات خلفية لمحاور إقليمية متناقضة، وتفاوضت مع كل دولة تملك ذخيرة أو طائرة مسيرة. واليوم، بعد أن فشلت في تحقيق أي تقدم ميداني حقيقي، ها هي تمنح روسيا منفذاً استراتيجياً على البحر الأحمر، مقابل صفقة سلاح لا تختلف عن عشرات الصفقات التي عمّقت الأزمة ولم تغيّر شيئاً في ميزان القوى.

المشكلة ليست في روسيا وحدها، بل في سلطة تُقايض كل شيء. فرفض إقامة قاعدة إيرانية سابقاً لم يكن دفاعاً عن مصالح السودان، بل مجرد تعديل في مزاد النفوذ. وما يجري اليوم هو النسخة الأوضح من هذا المزاد: كلما اشتدت الأزمة الداخلية ازداد استعداد السلطة لبيع مزيد من الخرائط والثروات والمنافذ. ولعل أصدق وصف لهذه الحالة هو قول صمويل جونسون: “السلطة الفاسدة لا تتراجع… بل تزداد فساداً كلما أحسّت بقرب نهايتها.”

وفي الوقت الذي تُجرى فيه هذه التفاهمات الخطيرة، يواصل السودانيون دفع الثمن الأكبر. أكثر من 150 ألف قتيل، و12 مليون مشرد، وانهيار شامل للبنى التحتية والخدمات الصحية، ودمار اقتصادي غير مسبوق. ومع ذلك تصر السلطة على أن الحرب “ضرورة وطنية” وأن أي تسوية يجب أن تُبقيها في الحكم، بينما الحقيقة التي يدركها كل سوداني هي أن السلطة نفسها هي أصل المأساة.

فالبلاد لم تعد تتحرك وفق منطق الدولة، بل منطق البقاء. والمفاوضات التي تجري خلف الأبواب المغلقة لا تهدف لإنقاذ السودان أو إنهاء الحرب، بل لنقل السلطة من ساحة معركة إلى اتفاق سياسي يضمن استمرار هيمنة الجنرالات. ولو قُدّر لهذه التسوية أن تتم بالشكل الذي يُطبخ الآن، فإنها ستكون تسوية تحمل بذور حرب جديدة، وتعيد السودان إلى دائرة الانهيار بدل أن تخرجه منها.

لقد أصبح واضحاً أن المستقبل الآمن للسودان لا يُبنى مع سلطة مستعدة لبيع البحر الأحمر، ومنح ذهب البلاد لجهات أجنبية، وإقامة قواعد عسكرية على أرضه، ثم الادعاء بأنها تدافع عن “السيادة الوطنية”. إن السيادة التي تُباع في الصفقات السرية ليست سيادة، والوطن الذي يُدار بمنطق المقايضة ليس وطناً آمناً.

ويدرك السودانيون اليوم أن خلاصهم لن يأتي من اتفاقات تُبرم مع سلطة منهارة، بل من زوال هذه السلطة وبناء نظام مدني جديد يضع مصلحة الوطن فوق رغبات العسكر. وفي هذا السياق، يبرز قول نيلسون مانديلا: “إن الحرية الحقيقية لا تُمنح من الجلاد… بل تُنتزع حين يقرر الشعب ألا يعيش خاضعاً بعد اليوم.”

لقد سقطت الأقنعة، وانكشف المستور، وباتت الحقيقة صارخة: سلطة بورتسودان ليست بوابة الخلاص، بل قلب الأزمة، ومحور الخراب، وعنوان الفشل. وزوالها أصبح شرطاً للبداية الجديدة التي يستحقها السودان، لا خياراً سياسياً مطروحاً للنقاش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!