رأي

الجزيرة… الكاميرا التي ظلت أن تغتال الحقيقة مع سبق الاصرار والترصد

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

من الصعب على المرء أن يكتب نقداً لقناة كانت في يومٍ ما جزءاً من ذاكرة المشاهد العربي، وأن يتحول هذا النقد اليوم إلى واجب أخلاقي لا مجرد رأي سياسي. لكن ما تفعله قناة الجزيرة في تغطية الحرب السودانية لم يترك مجالاً للمجاملة، ولم يُبقِ مساحة للتخفيف، ولم يسمح حتى بتمرير الكلمات عبر فلاتر الدبلوماسية. لقد بلغت القناة مستوى من الانحياز والتضليل جعل الحقيقة نفسها تبدو كغريب يبحث عن باب للعودة. ولأن النقد هنا ليس مزاجاً ولا خصومة شخصية، بل محاولة لتسمية الأشياء بأسمائها، يأتي هذا المقال بقدر أكبر من المكاشفة، وبكثافة أعلى من الغضب الواعي، وبإصرار على أن السكوت على الإعلام حين يضلّ مشاركة في ضلاله.

لم يعد ممكناً، بعد كل ما بثّته الجزيرة عن الحرب في السودان، أن نعتبر ما يجري مجرد خطأ مهني هنا أو سوء تقدير هناك. فالأخطاء العارضة تحدث، نعم، لكن ما تقدمه القناة اليوم ليس عارضاً ولا عرضياً، بل منهجي، متكرر، ومبني بعناية على رواية واحدة لا تحيد عنها. الرواية التي تختارها الجزيرة لا علاقة لها بما يجري على الأرض، بل تُفصَّل كما تُفصَّل العبارة في خطاب سياسي مُسبق الصنع. والحقيقة التي تُروى من نصفها تتحول إلى كذب كامل، والجزيرة لا تروي نصف الحقيقة، بل تعيد بناء نصف منها وتخفي نصفها الآخر، حتى تصبح القصة كلها مختلّة.

ومن يعرف غرب كردفان يعلم أن بابنوسة خالية من المدنيين منذ ما يقارب العامين. يعلم أن من بقي فيها هم قوات الجيش وبعض المجموعات المتحالفة معه، وأنها ليست مدينة سكنية منذ اندلاع الحرب. ومع ذلك، تصر الجزيرة على تقديم بابنوسة كمدينة تعج بالحياة، كأنها الخرطوم أو ود مدني قبل الحرب. ليس هذا مجرد تضليل، بل تزوير صريح لواقع مكشوف. تُصوّر القناة نزوحاً خيالياً لنساء قادرات كما جاء في تقرير مراسلها على قطع مسافة ثلاثمئة وخمسين كيلومتراً إلى الأبيض خلال يومين. وكل من عاش في تلك المنطقة يعلم أن الطريق الصحراوي الوعر يستغرق أياماً، حتى بوجود مركبات صالحة وإمداد كافٍ. حين تتحدى الكذبة العقل تنكشف قبل أن تنطق، والجزيرة تحدّت العقل، فتكشّفت.

هناك فرق شاسع بين خطأ إعلامي وبين تضليل إعلامي. الخطأ قد يُعزى إلى نقص معلومة أو استعجال، أما التضليل فيحدث عندما يعرف الصحفي الحقيقة ثم يقرر أن يخونها. وتقارير الجزيرة عن دارفور وغرب كردفان تكشف هذا النوع من الخيانة؛ فالقناة تعرف طبيعة الجغرافيا والسكان والطرق، لكنها تكتب كما لو أن السودان جزيرة نائية لا أحد يعرفها. السبب بسيط: ما يهمها ليس الدقة بل الرواية، وليس الحقيقة بل التأثير، وليس الصحافة بل السياسة. والكلمة إذا هجرت ضميرها تحولت إلى خنجر في يد من يشتهي القتل، والجزيرة تكتب اليوم بكلمة بلا ضمير.

الخطر الأكبر لا يكمن في ما تبثه الجزيرة، بل في ما تختار ألا تبثّه. فالقتل في الكومة لا تراه، والقصف في الفاشر لا تسمعه، والمجازر في أم روابة لا تجد طريقها إلى شاشتها، والدم الذي يسيل في النيل الأبيض لا يصل إلى كاميراتها. تنتقي من المشاهد ما يناسب، وتقص من الحقائق ما يزعج، وتُخفي من الجرائم ما يتعارض مع الرواية التي اختارتها منذ أول رصاصة. والعين التي تُغلق انتقاءً لا تُفتح إلا نفاقاً، والجزيرة أغلقت عينيها انتقاءً، ففتحت أبواب الشك كلها.

لم تعد مشكلة الجزيرة مقتصرة على سياسات تحريرية من مقرّها الرئيسي؛ فقد أصبح بعض مراسليها جزءاً من ماكينة التضليل نفسها. تحوّل المراسل من ناقل خبر إلى صانع كذبة. يخلق قصة غير موجودة، يسندها لشخصيات بلا أسماء، يُغلّفها بلمسة إنسانية مفتعلة، ثم يرميها على الشاشة كحقيقة مُطلقة. هذا الأسلوب أقرب إلى البروباغندا منه إلى الصحافة، والحكاية التي تبدأ بالكذب لا تنتهي إلا بالفضيحة، والجزيرة اليوم في بداية ونهاية هذه الفضيحة معاً.

ليس من الصعب إدراك أن خط الجزيرة التحريري لم يعد مهنياً منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل. اختارت القناة طرفاً بعينه، وقررت أن تضع بصرها وبصيرتها في خدمته، وأن تجعل تغطيتها جزءاً من مشروعه السياسي. ومن يختار أن يقف مع القوة يفقد حقه في الحديث عن الحقيقة، والجزيرة اختارت الوقوف مع القوة لا مع الحقيقة.

السودانيون يرفضون رواية الجزيرة لأنهم خبروا الكذب الإعلامي من قبل. عاشوا عقوداً تحت إعلام محترف في صناعة الوهم، وتعلموا كيف يميّزون بين الخبر وبين الفخ الذي يُنصب في ظاهر الخبر. ولأنهم يعيشون الحرب، يرون بأعينهم ما لا يراه المذيع من داخل استديو مكيف. ما تراه العين لا تهزمه ما ترويه الشاشة، والرواية التي تبنيها الجزيرة تنهار عند أول مقارنة مع الواقع الذي يعيشه الناس.

التضليل ليس بريئاً، والكلمة المنحازة لا تقف على قدميها. ما تفعله الجزيرة اليوم يساهم في إطالة الحرب، وفي تبرير القتل، وفي تغطية الجرائم، وفي تشجيع أطراف على مواصلة معاركهم. الرصاصة تقتل جسداً، لكن الكلمة تقتل وطناً كاملاً، والجزيرة تساهم بقصد أو بغير قصد في قتل السودان بالكلمة.

لم يعد المطلوب من الجزيرة أن تعتذر؛ المطلوب أن تتوقف. أن تتوقف عن صناعة الوعي المشوّه، وعن تقديم السودان كصورة ناقصة، وعن اختزال الحرب في مشاهد انتقائية تخدم طرفاً واحداً. فقد خرجت القناة عن دور الوسيط الإعلامي، وصارت طرفاً في الصراع. ومن يختار موقعه في المعركة يخسر موقعه في المصداقية، والجزيرة خسرت موقعها فعلاً.

ليست المشكلة أن الجزيرة أخطأت؛ المشكلة أنها جعلت من الخطأ منهجاً. وليس الخطر أنها انحازت؛ بل أنها تُنكر انحيازها. وليس الألم أنها تكذب؛ بل أنها تعتقد أن السوداني لا يرى كذبتها. لقد فقدت القناة آخر ما تبقى من ثقة المشاهد السوداني، لأنهم أدركوا أن ما تُقدمه ليس الحقيقة، بل نسخة مشوّهة منها تخدم مشروعاً سياسياً لا علاقة له بمصلحة البلاد. والحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تُهزم، والجزيرة تستطيع أن تؤخر انتصار الحقيقة… لكنها لن تستطيع أن تمنعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!