الفاشر تنتفض بصوت واحد جماهير دارفور تساند التأسيس وتدين جرائم الحركة الإسلامية
التنوير .. الفاشر .. تقرير

التنوير .. الفاشر .. تقرير
مشهد غير مسبوق في عاصمة شمال دارفور
في مشهد جماهيري لافت، انتفضت مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، اليوم الخميس 12 ديسمبر، حيث خرجت حشود ضخمة من المواطنين في مواكب سلمية عارمة جابت الشوارع والأحياء، معبّرة عن دعمها الواضح لمسار حكومة التأسيس، ومعلنة موقفًا صريحًا ضد جرائم وانتهاكات الحركة الإسلامية التي حمّلها المتظاهرون مسؤولية الدمار والقتل والانقسام الذي شهدته البلاد.
المواكب انطلقت منذ ساعات الصباح الأولى من عدة أحياء داخل المدينة، واتجهت نحو الساحات الرئيسية، وسط حضور كثيف لمختلف الفئات الاجتماعية، من شباب ونساء وكبار سن، في مشهد عكس حالة نادرة من التوافق الشعبي. ورفع المشاركون الأعلام الوطنية ولافتات حملت شعارات تؤكد التمسك بخيار التأسيس بوصفه الطريق الوحيد لإنهاء سنوات طويلة من الاحتراب والفوضى، وبناء دولة جديدة قائمة على العدالة والسلام والمواطنة.
الهتافات التي صدحت بها الجموع لم تكن عفوية أو موسمية، بل جاءت محمّلة بوعي سياسي واضح، عبّر عن إدراك متزايد لطبيعة المرحلة الانتقالية وخطورتها، وعن رغبة صريحة في لعب دور مباشر في حماية مسار التحول الوطني من محاولات الإجهاض أو الالتفاف.
التأسيس خيار الشارع ورسالة الاستقرار
أكد المشاركون في المواكب أن خروجهم لا يأتي بدافع الانفعال، بل انطلاقًا من قناعة راسخة بأن مشروع التأسيس يمثل الفرصة الأخيرة لإنقاذ الدولة السودانية من الانهيار الكامل. وأوضحوا أن دعمهم لحكومة التأسيس هو دعم لفكرة إعادة بناء الدولة من جذورها، على أسس جديدة تقطع مع إرث الإقصاء والحروب والانقلابات.
وأشار متظاهرون إلى أن الفاشر، التي دفعت ثمنًا باهظًا للحرب والنزوح والقتل، تدرك أكثر من غيرها معنى الدولة الغائبة، ولذلك فإنها ترى في مسار التأسيس أفقًا حقيقيًا للاستقرار وبداية لمعالجة جذور الأزمة، وليس مجرد حلول مؤقتة أو تسويات هشة.
وشدد المواطنون على أن وحدة الموقف الشعبي في هذه المرحلة تمثل حجر الزاوية في إنجاح مشروع التأسيس، معتبرين أن أي تراجع أو انقسام سيعيد البلاد إلى مربع الفوضى، ويمنح قوى التخريب فرصة لإعادة إنتاج العنف. وأكدوا أن دعمهم للتأسيس لا ينفصل عن مطالبهم بتحسين الأوضاع المعيشية، وبسط الأمن، وبناء مؤسسات مدنية قوية قادرة على خدمة المواطن وحماية كرامته.
إدانة صريحة لجرائم الحركة الإسلامية
حملت التظاهرة رسالة سياسية حادة، تمثلت في التنديد الواسع بجرائم وانتهاكات الحركة الإسلامية، التي وصفها المشاركون بالحركة الإرهابية، مطالبين المجتمع الدولي باتخاذ موقف حاسم وتصنيفها ضمن التنظيمات الإرهابية، نظرًا لدورها المباشر في إشعال الحروب وارتكاب الفظائع بحق المدنيين.
وردّد المتظاهرون هتافات ترفض الإفلات من العقاب، وتطالب بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت في دارفور وغيرها من مناطق السودان. وأكدوا أن الحركة الإسلامية استخدمت الدين غطاءً لممارسة العنف، وتدمير النسيج الاجتماعي، ونهب موارد الدولة، وأن استمرار نشاطها السياسي والعسكري يمثل تهديدًا مباشرًا لأي مسار وطني يسعى للسلام.
وأشار مواطنون إلى أن ما تشهده البلاد اليوم من دمار وانقسام هو نتيجة مباشرة لسياسات الحركة الإسلامية، التي حكمت البلاد لعقود بعقلية الإقصاء والقمع، ودفعت بالمؤسسة العسكرية والأمنية إلى مواجهة الشعب بدل حمايته. وأضافوا أن التظاهر في الفاشر هو إعلان قطيعة نهائية مع هذا المشروع، ورسالة واضحة بأن دارفور لن تكون مرة أخرى ساحة لتجارب العنف الأيديولوجي.
الفاشر من الهامش إلى قلب الفعل الوطني
ما يميز انتفاضة الفاشر أنها لم تكتفِ بالشعارات، بل حملت مضمونًا وطنيًا عميقًا، أعاد للمدينة موقعها التاريخي كمركز فاعل في المعادلة السياسية. فقد عبّر المتظاهرون عن تطلعهم لمرحلة جديدة تتجاوز الانقسام الجهوي والتهميش، نحو دولة عادلة تقوم على مشاركة كل المكونات الاجتماعية دون إقصاء أو تمييز.
وأكد المشاركون أن دارفور، التي طالما صُوّرت كطرف متأثر بالأحداث، تثبت اليوم أنها طرف صانع لها، وأنها تمتلك وعيًا سياسيًا قادرًا على توجيه البوصلة الوطنية نحو الاستقرار. واعتبروا أن التظاهر السلمي في الفاشر يشكل نموذجًا لما يجب أن تكون عليه المشاركة الشعبية في مرحلة التأسيس، من حيث الانضباط، ووضوح المطالب، وربط القضايا المحلية بالمشروع الوطني الأشمل.
ويرى مراقبون أن هذه التظاهرة تُعد من أكبر التحركات الشعبية التي شهدتها الفاشر خلال الفترة الأخيرة، وتعكس تصاعد الوعي العام بأهمية الانخراط في الشأن العام، وعدم ترك مستقبل البلاد رهينة للنخب أو القوى المسلحة. كما تشير إلى أن الرهان على صمت الشارع لم يعد قائمًا، وأن المواطنين باتوا أكثر استعدادًا للدفاع عن خياراتهم السياسية.
رسالة إلى الداخل والخارج
تحمل انتفاضة الفاشر رسائل متعددة الاتجاهات. إلى الداخل، تؤكد أن الشارع حاضر، وأنه لن يقبل بعودة قوى الخراب تحت أي مسمى. وإلى الخارج، توجّه نداءً صريحًا للمجتمع الدولي بضرورة دعم مسار التأسيس، والاستماع إلى صوت الضحايا، واتخاذ موقف أخلاقي واضح من التنظيمات التي تلطخت أيديها بدماء السودانيين.
وفي المحصلة، تبدو الفاشر اليوم وكأنها تكتب فصلًا جديدًا في تاريخ دارفور، فصلًا يتجاوز الألم نحو الفعل، ويحوّل المعاناة إلى طاقة سياسية إيجابية. انتفاضة تقول إن الطريق إلى الدولة يبدأ من الشارع، وإن السلام الحقيقي لا يُمنح، بل يُنتزع بإرادة شعبية واعية تعرف ما تريد، ومن ترفض، وإلى أي مستقبل تسعى.




