رأي

شهادة لا تُغتفر

سمية النور دهب..دبلن 

 

سمية النور دهب..دبلن

ليست الخطيئة في أن تخطئ، بل في أن تعرف الصواب ثم تقتل معناه.

في أزمنة الدم، تصبح الكلمات امتحانًا أخلاقيًا قاسيًا. فإمّا أن تكون جدارًا يَحول دون سقوط الضحايا، أو سلّمًا يتسلّق عليه القتلة لتبرير جرائمهم. وحين يختار شخصٌ ذو حضور اجتماعي أن يقف في صف السلاح بدل الإنسان، فإن سقوطه لا يكون شخصيًا فحسب، بل سقوطًا رمزيًا لفكرة القيادة نفسها.

ما عبّر عنه موسى هلال مؤخرًا لا يمكن فهمه بوصفه “وجهة نظر”، لأن وجهات النظر تُناقَش، أما تبرير القتل فلا يُناقَش بل يُدان. لقد اصطف الرجل بوضوح مع خطاب يشرعن استهداف المدنيين، ويقدّم الحرب باعتبارها ضرورة، لا جريمة. في هذه اللحظة، لم يعد السؤال: ماذا قال؟ بل لماذا قاله، ولصالح من؟

الخطير في هذا التموضع أنه يستدعي قاموسًا قديمًا، قاموس القبيلة المسلّحة، والزعامة التي تُقاس بعدد البنادق لا بعدد الأرواح التي تحميها. هذا القاموس جرّبته مجتمعات الهامش طويلاً، وكانت نتيجته واحدة: قرى محروقة، ونسيج اجتماعي ممزّق، وقيادات تخرج سالمة بينما يدفع الناس الثمن.

الزعامة الحقيقية، في لحظات الانهيار، لا تبحث عن رضا السلطة، بل عن نجاة أهلها. لا تساوم على الدم، ولا تخلط بين الحكمة والتواطؤ. حين يُقصف المدنيون، لا يكون المطلوب خطبًا مشحونة، بل موقفًا واضحًا يقول: كفى. وأي التفاف على هذه البساطة هو خيانة للمعنى قبل أن يكون خيانة للناس.

يدرك موسى هلال بحكم التجربة طبيعة الصراع، ويعرف كيف تُستخدم الهويات وقودًا للحرب. ومع ذلك، اختار أن يكون جزءًا من السردية التي تُحمّل الضحايا ذنب مأساتهم، وتمنح الجناة لغة تبرير. هذا الاختيار لا يُمكن تلميعه بالحديث عن السياسة أو التعقيد؛ لأنه في جوهره قرار أخلاقي.

ما يجب قوله بوضوح: المجتمعات لم تعد كما كانت. الوعي الذي وُلد من الخسارة لا يقبل العودة إلى الوراء. لم تعد الألقاب تُرهب الناس، ولا التاريخ الشخصي يمنح حصانة. من يقف مع القتل، يخسر مكانه، مهما علا اسمه.

في نهاية المطاف، لا يكتب التاريخ أسماء من حملوا السلاح فقط، بل يسجّل أيضًا أسماء من منحوه الغطاء. وشهادة الزور، مهما طال أمدها، تبقى وصمة لا تمحوها الخطب ولا تبررها الأعذار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!