تقارير وتحقيقات

تقرير ؛العرّابة: هندسة الفساد من قلب الخارجية السودانية 

 نجم الدين دريسة (3/12)

 

نجم الدين دريسة (3/12)

لم تكن مسيرة تلك السفيرة مجرّد عبور بروتوكولي في دهاليز الدبلوماسية السودانية؛ بل كانت استثمارًا مدروسًا في *أكثر المواقع حساسية داخل جهاز الدولة*. فخلال سنوات ما بعد الإنقاذ، بدا أنّها طوّرت استراتيجية اقتراب منهجية من كل من يتولّى حقيبة وزارة الخارجية—باستثناء الدكتور لام أكول أجاوين خلال فترة 2005—حتى انتهى بها الأمر زوجًا لثلاثة وزراء خارجية، كان آخرهم أمين عام الحركة الإسلامية، الذي ما تزال ملفات انتهاكاته وارتباطاته بالشبكات الإسلاموية محل تحقيق دولي.

وما يهمّنا هنا ليس “الزواج” كعلاقة إنسانية، بل كمؤسسة نفوذ استُخدمت لبناء جسور حماية داخل الدولة، وضمان صمت من يجب أن يسأل، وولاء من لا يحق له التمرد.

فخلال فترة الإنقاذ، *كانت السفيرة جزءًا من حلقة ضيقة تتحكم في تدفقات مالية مرتبطة بعقود تعاون أممي وقروض دولية يفترض أن تدخل خزينة الدولة*. لكن بعضها—وفق شهادات ووثائق تُراجع الآن—لم يجد طريقه إلى بنك السودان، بل تسرّب إلى حسابات خاصة في الخارج. قروضٌ سجّلها الشعب السوداني على ظهره، بينما لم ير منها سوى أصفار تُثقل الديون ولا تفتح بابًا للتنمية.

كانت السفيرة، في جوهر دورها، تتولى توقيع العقود بالإنابة عن حكومة السودان، في غياب أية منظومة تدقيق فعّالة. وهنا تكمن التقنية الأخطر في عملية الفساد: فالعقد الأصلي—الذي يُكتب بصيغة _Grant_ أو _Debt_—لا يكون مُسجّلًا في أي مرجع رسمي. لا وزارة العدل، ولا وزارة المالية، ولا بنك السودان، ولا الخارجية تجد شيئًا. بدلًا من ذلك، يُستبدل هذا العقد بوثيقة داخلية قصيرة تحمل وصفًا مضلِّلًا مثل Donation أو Fund، بحيث يبدو الأمر كـ“تبرّع” أو “دعم”، وليس قرضًا سيُسجل لاحقًا ديْنًا على الشعب.

ثم يُنشأ عقد ثالث داخلي أداة التمويه الأكبر يتجاوز عادة ثلاثمائة صفحة، يعلم معدّوه أنّ أحدًا من الموظفين لن يقرأه. وغالبًا ما يُوقَّع عن الجانب السوداني فيه مدير المشروع التابع للمنظمة الدولية، وهو شخص جرى اختياره بعناية: إما محيّد، وإما ولاؤه للمنظمة أكبر من ولائه للمؤسسة السودانية التي انتُدب منها.

يُغرق هؤلاء بالامتيازات، ويُبعدون عن الرقابة، ليصبحوا حارسة صامتة لتمرير العقود دون أن يجرؤ أحد على كشفها. وهكذا تتحول القروض إلى ديون تُسجّل على ظهر السودانيين بينما تُحجب وثائقها الحقيقية عن أجهزة الدولة.

ولم يكن هذا النمط محصورًا في العقود وحدها، بل امتدّ إلى *المشاريع الاستثمارية المموّلة دوليًا تحت غطاء الدولة السودانية*. فقد تحصل شركة خاصة، مثل منظومة الصناعات الدفاعية أو شركة دال، على تمويل من بنك التنمية الإفريقي لمشروع ما، بينما تُمنح الامتيازات مستندة إلى “غطاء حكومي” يسهّل تمرير الاحتكار واستخدام إمكانيات الدولة. وفي النهاية، تتحول هذه الأموال إلى دين يُسجَّل على الشعب السوداني، بينما تستأثر الجهة الخاصة بالأرباح.

هذه الحلقة تعتمد على ثلاثي الفساد: (بنك التنمية الإفريقي  الإيفاد  مسؤولون نافذون في الحكومة)، فضلًا عن صلات بمنظومات أوروبية. وفي ختام العملية، تقوم دول مثل بريطانيا وإيرلندا والسويد بدفع ديون السودان للبنك تحت بند قروض التجسير دين جديد يغطي دينًا قديمًا—فيما يتم إخفاء أثر المستفيد الحقيقي. هكذا تُمحى آثار العمليات، بينما يبقى الشعب وحده تحت عبء أرقام لا يعرف من أين جاءت.

ختامًا، من يتابع خرائط النفوذ داخل الخارجية خلال العقدين الماضيين، سيجد أنّ *تحرّكات السفيرة لا تشبه حياة فرد، بل حياة كيانٍ ينفّذ مهمة*؛ مهمة تقوم على خلق غطاء اجتماعي وقانوني وعلائقي يُقفل الطريق أمام أي تحقيق جاد. السؤال اليوم ليس عن مسؤولية “سعادة السفيرة” وحدها، بل عن الشبكات التي صمّمتها، والمحطات التي مرّت بها القروض، والوزراء الذين كانوا واجهات تحرسها دون أن يشعروا أو لعلهم شعروا وتغافلوا.

فإذا كانت البلاد قد تحررت من النظام القديم، فلتتحرر كذلك من الصمت الذي كان يحرسه.

ونواصل…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!