من “الشرعية الثورية” إلى “الشرعية المؤسسية” (4) نحو تأسيس الحكم الراشد في السودان الجديد سيادة القانون.. الصخرة التي تتحطم عليها “دولة المزاج الشخصي”
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
مقدمة:
الفرق بين “الدولة” و”العصابة” شعرة دقيقة جداً اسمها: القانون.
في العصابات، الكلمة للأقوى، وللأكثر تسليحاً، وللقائد الذي يقرر بمزاجه من يعيش ومن يموت. أما في الدولة، فالكلمة لـ “النص القانوني” الذي ينحني أمامه الجميع، من أصغر جندي إلى القائد العام.
نحن اليوم في “تحالف تأسيس” نسيطر على الأرض بقوة السلاح، وهذا ضروري للتحرير. لكن إذا أردنا إدارة “مجتمع”، فالسلاح وحده لا يكفي، بل قد يكون مدمراً.
إذا شعر المواطن في المناطق المحررة أن حقه يضيع بمكالمة هاتفية من قائد عسكري، أو أن خصمه لا يُحاسب لأنه “مسنود” بكتيبة، فنحن لم نسقط “دولة 56″، بل استنسخنا أسوأ ما فيها: “قانون الغابة”.
أولاً: قدسية القضاء vs سطوة البندقية
أخطر ظاهرة تهدد الاستقرار في مناطق النزاعات هي “التدخل العسكري في العدالة”.
يحدث كثيراً أن تقبض الشرطة أو النيابة على متهم (سارق، معتدٍ، مهرب)، فيأتي قائد عسكري أو مجموعة مسلحة لتقتحم القسم وتخرج المتهم بقوة السلاح لأنه “تبعنا” أو “من قبيلتنا”.
هذا السلوك هو “إعدام ميداني” للدولة.
في اللحظة التي يُكسر فيها قفل حراسة الشرطة بغير أمر قضائي، تسقط هيبة “السودان الجديد” بالكامل.
الحل المؤسسي:
إصدار “مرسوم دستوري” ملزم وحازم من القيادة العليا:
تجريم التدخل: أي عسكري (مهما كانت رتبته) يتدخل في عمل الشرطة أو النيابة أو القضاء، يُجرد من رتبته فوراً ويحاكم عسكرياً بتهمة “تقويض النظام الدستوري”.
حماية القضاء: توفير “شرطة قضائية” خاصة، مدربة ومسلحة جيداً، تتبع للقضاة ووكلاء النيابة فقط، لحمايتهم من تغول العسكر.
ثانياً: العدالة العمياء.. “الكبير” قبل “الصغير”
المواطن لا يصدق الشعارات، بل يصدق الأفعال.
عندما يرى الناس أن المحاكم تحاكم فقط “نشالي الهواتف” و”صغار اللصوص”، بينما يرتع “الفاسدون الكبار” و”مهربو الوقود” و”ناهبو الأراضي” بحرية في سياراتهم الفارهة، فإنهم يفقدون الإيمان بالعدالة.
مشروع السودان الجديد قام على فكرة “المساواة”.
يجب أن نرى محاكمات علنية لمسؤولين كبار أو قادة انحرفوا. محاكمة قائد واحد بتهمة فساد أو اعتداء، تعيد ثقة الملايين في المشروع أكثر من ألف انتصار عسكري.
يجب أن نرسخ مبدأ: “لا حصانة لظالم”، سواء كانت حصانته رتبة عسكرية أو زعامة قبلية.
ثالثاً: النيابة العامة.. محامي الشعب
النيابة هي “لسان المجتمع”.
لكن في الكثير من المناطق المحررة، النيابة غائبة أو معطلة، مما يضطر المواطنين للجوء إلى “لجان الجودية” القبلية أو إلى “مكاتب القادة العسكريين” لحل نزاعاتهم.
هذا خطأ فادح. تحويل الحقوق القانونية إلى “تسويات قبلية” يضيع حقوق الضعفاء
الحل:
إعادة تفعيل النيابات فوراً في كل محلية، ورفدها بـ “وكلاء نيابة” ثوريين ونزيهين، ومنحهم سلطة التفتيش على السجون والمعتقلات للتأكد من خلوها من أي احتجاز غير قانوني.
رابعاً: الإبلاغ الآمن.. حماية “شهود الحق”
الفساد والانتهاكات تحدث غالباً في الظلام. والمواطن يخاف أن يبلغ لأنه يخشى انتقام “صاحب النفوذ”.
لن تقوم للعدالة قائمة إذا كان “المُبلّغ” خائفاً.
نقترح إنشاء “وحدة حماية الشهود والمبلغين” تتبع لمفوضية حقوق الإنسان أو مكتب النائب العام، توفر قنوات آمنة وسرية للشكاوى، وتضمن عدم تعرض الشاكي للتنكيل.
ختاماً: القاضي هو “القائد الأعلى” في قاعته
التحرير الحقيقي ليس طرد العدو من الحدود، بل طرد “الخوف” من صدور المواطنين.
لن يشعر المواطن بالأمان إلا إذا علم أن هناك “قانوناً” يحميه حتى من قادة الدولة الجديدة.
يجب أن نصل لمرحلة يدخل فيها القائد العسكري إلى المحكمة، فيؤدي التحية للقاضي المدني الجالس على المنصة، ويمتثل لحكمه.
هذا المشهد هو وحده الذي سيقول للعالم: “لقد ولدت دولة جديدة في السودان”.
في المقال القادم (الخامس والأخير):
سنناقش “المشاركة والمساءلة”. الحكم ليس “أوامر” فقط، بل هو “صوت الناس”. كيف نشرك المواطن في القرار؟ وكيف نحمي “حرية الرأي” لتكون جرس إنذار ضد الأخطاء؟




