رأي

الطيران القاتل… حين يتحوّل الصمت إلى تفويض للجريمة

دار السلام وداعة

 

دار السلام وداعة

ما جرى في الزُرق وغرير، وما سبقه في الدلنج، ليس حادثًا عسكريًا عابرًا ولا تطورًا ميدانيًا يمكن احتواؤه ببيانات شجب عابرة. نحن أمام نمط واضح من العنف المنهجي، يُمارَس عبر الطائرات المسيّرة، ويستهدف مدنيين عُزّل لا يملكون سوى بيوتهم وإيقاع حياتهم اليومية.

هذا الطيران لم يَضل طريقه، ولم يُخطئ الهدف. لقد بلغ غايته كاملة: بثّ الرعب، تفكيك المجتمعات، ومعاقبة الناس على مجرد وجودهم. حين تُقصف القرى، لا تُستهدف مواقع عسكرية، بل تُستهدف فكرة الحياة نفسها. ووفقًا لكل الأعراف والقوانين، فإن ذلك يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان.

غير أن الأخطر من القصف ذاته هو ما يحيط به من صمت رسمي مقلق. فحكومة التأسيس—التي نحن جزء منها—تكتفي حتى اللحظة ببيانات إدانة لا توقف طائرة، ولا تحمي طفلًا، ولا تمنع ضربة قادمة. هذا الاكتفاء لم يعد مقبولًا، ولا يمكن تبريره بالحذر السياسي أو بتعقيدات المرحلة.

حين تتحوّل البيانات إلى بديل عن الفعل، يصبح الصمت موقفًا سياسيًا واضحًا لا فراغًا. والأسوأ أن هذا الصمت يمنح الجناة إحساسًا بالإفلات من العقاب، ويبعث برسالة قاسية مفادها أن أرواح المدنيين ليست أولوية.

ما يُستخدم اليوم ليس مجرد سلاح جوي، بل أداة لإبادة اجتماعية: تفريغ القرى من أهلها، تمزيق النسيج المجتمعي، وتحويل الخوف إلى وسيلة حكم. هذا المنهج ليس جديدًا على السودان؛ هو امتداد مباشر لما شهدته دارفور سابقًا، مع اختلاف الأدوات وبقاء العقلية ذاتها.

أما المجتمع الدولي والإنساني، فيواصل دوره المألوف: إدانات مصاغة بعناية، وقلق يُعبَّر عنه بلغة دبلوماسية رصينة، من دون أي إجراء فعلي. لا حظر للطيران، ولا آليات مساءلة جادة، ولا ضغط حقيقي يغيّر الوقائع على الأرض. إدانات لا تنقذ أحدًا، ولا توقف نزفًا.

الحقيقة التي ينبغي قولها بلا مواربة هي التالية:

الطيران الذي يقصف الزُرق وغرير والدلنج جريمة،

والصمت الرسمي عنها شراكة غير مباشرة،

وحكومة التأسيس إن لم تتحرك الآن تخاطر بفقدان معناها قبل أن يكتمل بناؤها.

لسنا نطالب بالمستحيل، بل بالحد الأدنى من المسؤولية السياسية والأخلاقية: موقف واضح لا لبس فيه ضد استخدام الطيران، تحرّك قانوني جاد على المستوى الدولي، وإجراءات عملية ملموسة لحماية المدنيين.

التاريخ لا يُجامل ولا ينسى. وسيسجل بدقة من قصف، ومن صمت، ومن برّر، ومن اختار أن يقول «لا» في وجه الجريمة.

الزُرق وغرير والدلنج ليست أخبارًا عابرة، بل جرحًا مفتوحًا واختبارًا حقيقيًا: هل نبني دولة تحمي شعبها، أم نعيد إنتاج الصمت ذاته… بلغة جديدة؟

 

نواصل

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!