تقارير وتحقيقات

قرناص… بوابة الغسيل القذر (الحلقة السادسة)  الأرقام التي تبتلع الدول: كيف صنعت قرناص شبكة فساد عبر بوابة البيانات الدولية؟

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

لا يبدأ الفساد، كما يتصوره الناس، من حقيبة نقود أو صفقة جانبية في ممرّ معتم، بل غالبًا يبدأ من جملة تقنية باردة تُكتب في تقرير أممي: “تحسين إدارة البيانات من أجل تعزيز الأمن الغذائي”. فخلف هذه اللغة المحايدة كانت تتحرك شبكات نفوذ داخل الخارجية السودانية، تتقدمها السفيرة أميرة قرناص، وبجوارها مديرتها المصرية القادمة من جهاز الإحصاء (CAPMAS). وهناك، بين البيانات والمؤشرات والمنح والقروض، تشكّلت منظومة لإعادة تدوير أموال المانحين عبر بوابات المنظمات الأممية والقطاع الخاص، بينما تُسجَّل النتائج دائمًا كديون على السودان وحده.

للوهلة الأولى، يبدو تقرير عام 2016 حول “البيانات من أجل السياسات والاستثمار” مجرد وثيقة تقنية ضمن أرشيف الأمن الغذائي، لكنه يفتح نافذة على البيئة التي عملت فيها قرناص. ففي ذلك العام كانت تتولى رئاسة لجنة الأمن الغذائي العالمي (CFS)، أي على مقربة من أخطر مورد في عالم اليوم: المعلومة المبكرة.

المنصات التي تجمع البنك الدولي والفاو و IFPRI وجهاز الإحصاء المصري ليست مجرد منتديات نقاش؛ إنها غرف صياغة القرار الدولي، حيث تتحول البيانات إلى سياسة، وتنقلب السياسة إلى تمويل، ويُعاد تدوير التمويل في شبكات تمتد عبر القارات.

قدّم اللواء أبو بكر الجندي، رئيس CAPMAS، خلال تلك الفعالية مثالًا لما سماه “رقمنة الإحصاء”. لكن جوهر المسألة ليس التحديث الرقمي، بل توصيف البيانات كأداة سلطة. فالأجهزة الإحصائية في المنطقة ليست مؤسسات مستقلة، بل منصات يمكن من خلالها تمرير أو إخفء الأرقام بما يناسب توجهات الدولة.

 

وهذا النموذج—السيطرة عبر الرقم قبل القانون—وجد طريقه إلى الخارجية السودانية عبر علاقة قرناص بمديرتها. فالرقم هنا ليس انعكاسًا للحقيقة، بل قرار سياسي يمنح منتجه سلطة على اتجاه التمويل وخريطة الأولويات.

كانت الشراكات التي احتفى بها التقرير—بين الفاو والبنك الدولي وIFPRI وCAPMAS وIFAD—هي نفسها المساحات التي استثمرت فيها قرناص لبناء شبكة نفوذ مُحكمة. فهذه المنظومة العابرة للمؤسسات تتيح لمن يعرف ثغراتها الوصول المبكر إلى القروض والمنح قبل إعلانها، والتأثير على اللغة الفنية للعقود وتمييع الفارق بين Grant وFacility، وفتح أبواب لتحويل التمويلات إلى شركات خاصة عبر قنوات لا تمر بالدولة، ثم تسجيل كل ذلك كديون سيادية على السودان.

إنها الوصفة نفسها التي أغرقت دولًا مثل ملاوي: تمويلات تُنفَّذ باسم التنمية عبر المنظمات الأممية، وتذهب أرباحها للقطاع الخاص، بينما تُسجَّل أعباؤها على الشعوب وحدها.

وفي قلب هذه المنظومة، كانت قرناص تحوز ما لا يُمنح لدبلوماسيين آخرين: اطلاعًا مبكرًا على جداول التمويل، وشبكة علاقات داخل الجهات التي تُكتب فيها العقود وتُعاد صياغتها، وقنوات مالية لا تمر بالضرورة عبر بنك السودان—خصوصًا ضمن ما يُعرف بالقروض الإلكترونية—إلى جانب أدوات تُستخدم لتصنيف الديون على أنها “منح تقنية” تختفي آثارها في التقارير ولا تظهر إلا لاحقًا كالتزامات تُثقِل الميزانية. وهكذا تحولت البيانات من علم محايد إلى غطاء مالي–سياسي يتيح تمرير مشاريع خارج الرقابة، بعضها لم يُسجَّل أصلًا في السجلات السيادية، بينما ظل السودان يتحمل تكلفتها الكاملة دون أن يعلم من الذي قبض ثمارها.

كما استخدم CAPMAS الأرقام لإدارة ما يجب أن يظهر وما يجب أن يُدفن، استنسخت قرناص هذا الأسلوب داخل الخارجية السودانية. تحولت البيانات إلى وسيلة لإخفاء الالتزامات، والتقارير إلى لغة تُبرّر التمويل الغامض، والعقود إلى مساحات رمادية يختفي فيها أثر المال العام. فالدعوات التي رفعها تقرير 2016 عن “حوكمة البيانات” تحولت في الواقع—تحت يد قرناص—إلى تقنية لدفن أثر القروض داخل مصطلحات براقة.

إن ظهور قرناص في الفعاليات الأممية لم يكن حدثًا بروتوكوليًا. فحين تجلس على منصة واحدة مع ممثلي البنك الدولي والفاو وIFPRI ومديرة قادمة من جهاز الإحصاء المصري، ندرك أن المسألة ليست منصبًا دبلوماسيًا بل موقعًا داخل ماكينة إنتاج المؤشرات. فهذه المنصات التي تتحدث عن “البيانات الضخمة” و”النماذج التكاملية” هي بالضبط الأماكن التي تُصاغ فيها القروض، وتُدار فيها لعبة المصطلحات التي استخدمتها لاحقًا—Fund، Grant، Donation—لتمرير ديون خرجت من الخرطوم إلى الخارج دون المرور ببنك السودان أو أي مؤسسة رقابية.

ختامًا، لا يمكن للسودان أن يستعيد عافيته ما لم يغلق هذه النافذة التي دخل منها كل خراب. فشبكات البيانات العابرة للحدود لن تتوقف عن إنتاج الفساد لأنها صُمّمت أصلًا لتعمل بلا مساءلة. وما لم يُعاد تعريف معنى “البيانات العامة” كملكية وطنية لا كسلعة في يد السفراء والخبراء والمديرين الأجانب، فستظل البلاد مجرد ملفّ مفتوح على مكاتب الآخرين: تُبنى عليه الديون، وتُفرض به السياسات، وتُصاغ من خلاله خرائط لا علاقة لها بحياة الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!