
سهيبة مريش .. تكتب من نيالا البحير
يعاني السودان، منذ نشأة دولته الحديثة، من أزمة سياسية واجتماعية عميقة الجذور، لم تكن وليدة الحرب الراهنة وحدها، بل نتاج تراكم تاريخي طويل لنظام حكم معيب، ظل بعيدًا عن تطلعات شعوب السودان وحقهم في إدارة شؤونهم بأنفسهم. وفي صميم هذه الأزمة، يبرز ما يمكن وصفه بـ عقم الفكر السياسي لدى النخب والساسة، بوصفه عاملًا حاسمًا في إفشال التحولات الوطنية، وتعطيل فرص بناء دولة عادلة ومستقرة.
الانغلاق الفكري واستبداد الرأي
يتجلّى عقم الفكر السياسي في انغلاق كثير من الساسة عن تجارب الآخرين، وعجزهم عن التفكير خارج الأطر التقليدية التي أثبتت فشلها مرارًا. هذا الانغلاق يترافق غالبًا مع نزعة استبدادية في اتخاذ القرار، حيث يُهمَّش الرأي المخالف، وتُقصى الكفاءات، ويُختزل العمل العام في دوائر ضيقة تُدار بعقلية الولاء لا الجدوى. ونتيجة لذلك، تتحول السياسة من فعل جماعي يخدم الصالح العام إلى ممارسة نخبوية منفصلة عن المجتمع واحتياجاته الحقيقية.
من الشعارات إلى العجز عن الفعل
رغم أن شعوب السودان تُعد من أكثر الشعوب قدرة على المقاومة والاحتجاج ورفع المطالب، فإن المفارقة المؤلمة تكمن في أن كثيرًا من النخب، حين تبلغ مواقع القرار، تعجز عن تحويل الشعارات إلى سياسات، والرؤى إلى أفعال. لقد وُقّعت اتفاقيات عديدة، مثل أبوجا والدوحة وغيرها، كان يمكن أن تُحدث تحولات كبرى في مسار البلاد، لكنها بقيت حبيسة الورق بسبب عقم القائمين عليها، وعجزهم عن اتخاذ قرارات جريئة تخدم المصلحة العامة.
وحتى المبادرات الحديثة، التي عُلّقت عليها آمال كبيرة، مثل تحالف “تأسيس”، لم تسلم من هذا الداء. فعلى الرغم من ولادته بأيدٍ سودانية خالصة، وتعويل قطاعات واسعة من الشعب عليه في ظل الظروف الراهنة، إلا أنه يعاني بطئًا واضحًا في اتخاذ القرارات المفصلية والتاريخية، في وقت لا يحتمل فيه الواقع السوداني التردد أو الانتظار
أثر العقم السياسي على الدولة والمجتمع
يؤدي عقم الفكر لدى الساسة إلى تآكل الثقة بين الشعب والسلطة، ويغذي حالة عدم الاستقرار السياسي، كما يسهم في تعميق الصراعات الاجتماعية والجهوية، ويزيد من هشاشة الأوضاع الأمنية والاقتصادية. ومع غياب الرؤية الواضحة والخطط الفعالة، تتعطل مشاريع التنمية، وتُهدر الموارد، وتبقى الدولة رهينة أزمات متجددة لا تجد حلولًا جذرية
الهامش والشعور بالدونية الموروثة
من أخطر نتائج هذا العقم السياسي تكريسه للشعور بالدونية لدى شعوب الهامش، وهو شعور موروث نشأ بفعل الإقصاء المستمر والحرمان من المشاركة في صناعة القرار. فقد ظلت النخب النيلية، عبر التاريخ، تمارس أشكالًا من العنف المادي والرمزي ضد الهامش، محولة أبناءه إلى أدوات لتنفيذ مشاريع لا تعكس مصالحهم ولا تعبّر عن تطلعاتهم. ومع التهميش السياسي والفقر والحرمان، تعمّق هذا الإحساس، وأصبح عائقًا إضافيًا أمام بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية.
خاتمة
إن عقم الفكر السياسي ليس مشكلة نظرية، بل مأزق وجودي يهدد مستقبل السودان. والخروج منه يتطلب من الساسة تجاوز الأنا الضيقة، والانفتاح على النقد، والانتقال من منطق الفرد إلى منطق الجماعة، ومن انتظار القرارات إلى صناعتها. وحدها الجرأة في اتخاذ القرارات المصيرية، والالتزام الحقيقي بالعدالة والمشاركة، يمكن أن تفتح أفقًا جديدًا يليق بتضحيات السودانيين، ويحوّل حلم التغيير إلى واقع شامل يسع الجميع.




