رأي

الدولة العميقة في السودان وتسيس القانون والعدالة وقهر شعوب السودان.

سهيبة مريش

 

سهيبه مريش

يشكل مفهوم الدولة العميقة أحد أكثر الظواهر تعقيدًا وإثارة للجدل في التحليل السياسي المعاصر، ويأخذ هذا المفهوم في السودان أبعادًا تاريخية ومؤسسية عميقة، حيث تتشابك خيوط السلطة غير المرئية مع الأجهزة الرسمية للدولة، مما يؤدي إلى تسيس منهجي للقانون والعدالة وإلحاق القهر المستمر بشعوب البلاد المختلفة. الدولة العميقة في السياق السوداني لا تعني مجرد وجود بيروقراطية متمكنة، بل تشير إلى شبكة مترابطة من النخب العسكرية والأمنية والاقتصادية والمدنية التي تعمل خارج الأطر الدستورية المعلنة، وتوظف مؤسسات الدولة لخدمة مصالحها الخاصة وتثبيت هيمنتها، بغض النظر عن الإرادة الشعبية أو متطلبات الحكم الرشيد.

تاريخيًا، ترسخت جذور الدولة العميقة في السودان منذ الاستقلال، وتحديدًا مع تكرار الانقلابات العسكرية التي لم تكن مجرد خروج عن النظام، بل كانت إعادة ترتيب لتحالفات النخبة التي تسيطر على مفاصل الحكم. هذه النخب، سواء كانت عسكرية أو مدنية مرتبطة بها، نجحت في بناء مؤسسات ظل تتمتع بقوة نفاذ تفوق سلطة الوزارات والمؤسسات التشريعية المنتخبة. هذه البنية الموازية هي التي تضمن استمرارية سياسات معينة، خاصة تلك المتعلقة بالموارد الاستراتيجية، الأمن القومي، والتعامل مع المعارضة. إن بقاء أو تهميش القوى السياسية يعتمد بشكل أساسي على مدى رضا هذه الشبكة الخفية أو قدرتها على إعادة إنتاج نفسها بعد كل تغيير سطحي في الواجهة الحكومية.

أما التسيس الممنهج للقانون والعدالة فهو السلاح الأكثر فعالية الذي تستخدمه الدولة العميقة للحفاظ على نفوذها. القانون في السودان، بدلاً من أن يكون أداة لضمان المساواة وحماية الحقوق، يتحول إلى أداة انتقائية لتصفية الخصوم وتعزيز الولاءات. نرى ذلك بوضوح في طبيعة التشريعات التي يتم تمريرها أو تعطيلها، وفي كيفية تطبيق الإجراءات القضائية. على سبيل المثال، يتم تفعيل قوانين الطوارئ والتفتيش بسهولة مفرطة ضد النشطاء والمعارضين السياسيين، بينما تُغلق الملفات المتعلقة بالفساد المالي الضخم الذي يورط شخصيات نافذة داخل النظام أو المرتبطين به. إن غياب استقلالية القضاء الفعلي، حيث يظل القضاة عرضة للضغوط الإدارية والسياسية، يضمن أن الأحكام الصادرة غالبًا ما تعكس الإملاءات الصادرة من مراكز القوى غير المنتخبة بدلاً من استنادا إلى سيادة القانون.

إن أبرز مظاهر تسيس العدالة يتمثل في استخدام القضاء كأداة لمحاكمة المعارضين السياسيين بتهم فضفاضة مثل تقويض النظام العام أو الإرهاب، في حين يتمتع مرتكبو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، خاصة في مناطق الصراع، بالحصانة المطلقة. الإفلات من العقاب هو السمة المميزة لمنظومة العدالة التي تديرها الدولة العميقة. هذا الإفلات من العقاب لا يقتصر على الجرائم السياسية، بل يمتد إلى قضايا الفساد التي تستنزف ثروات البلاد، حيث تخلق شبكات المصالح طبقات حماية تمنع وصول أي تحقيق نزيه إلى المسؤولين الكبار.

النتيجة الحتمية لهذه الهيمنة هي قهر شعوب السودان وتعميق حالة عدم المساواة والظلم الهيكلي. القهر هنا متعدد الأوجه: اقتصاديًا، حيث تسيطر النخب المرتبطة بالدولة العميقة على قطاعات حيوية مثل التجارة الخارجية، المعادن، والخدمات، مما يضمن تدفق الثروة إلى جيوب قليلة على حساب التنمية الشاملة. جغرافيًا، يظهر القهر بوضوح في التهميش التاريخي لولايات وأقاليم بأكملها، خاصة في الهامش، والتي حُرمت من التنمية والخدمات الأساسية وتم التعامل معها دائمًا عبر المنظور الأمني والعسكري بدلاً من منظور التنمية والعدالة الاجتماعية.

إن فشل عمليات الانتقال السياسي المتعاقبة في تفكيك هذه البنية العميقة يرجع إلى استراتيجية هذه النخب في امتصاص الصدمات وإعادة التموضع. عندما تنهار حكومة أو يسقط نظام، فإن الدولة العميقة تضمن بقاء كوادرها الأساسية داخل الأجهزة الأمنية، والمالية، والبيروقراطية العليا. على سبيل المثال، بعد ثورة ديسمبر 2018، ورغم التغييرات الكبيرة في الواجهة السياسية، ظلت هياكل القوة الأساسية في الجيش وجهاز الأمن والمؤسسات الاقتصادية الكبرى محصنة إلى حد كبير ضد التطهير الحقيقي، مما سمح لها بإعادة توجيه دفة الحكم لصالحها عند أول فرصة سانحة، وهو ما تجسد في الانقلابات اللاحقة.

إن معالجة هذا الوضع تتطلب أكثر من مجرد تغييرات وزارية أو تعديلات دستورية شكلية. يتطلب الأمر تفكيكًا منهجيًا لهياكل الدولة العميقة التي تتغذى على تسيس القانون. هذا التفكيك يجب أن يبدأ بإصلاحات جذرية في قطاع العدالة، تهدف إلى تأمين استقلالية القضاء وضمان محاسبة جميع الأفراد الذين مارسوا السلطة خارج إطار القانون، بغض النظر عن رتبهم أو انتماءاتهم السابقة. بالإضافة إلى ذلك، يجب تصفية شبكات المصالح الاقتصادية والأمنية التي تحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لخدمة فئة ضيقة.

لذلك علي حكومة تأسيس ومن اجل ضمان تحول حقيقي يجب ان تنتبه لهذا الاستشكال وان لاتقع في هذا الفخ مره اخري ويحصل إعادة تدوير للازمة السودانية وان تعمل جاهده لاكتشاف كوادر ثورية لديها الرغبه الحقيقه لصناعة التغيير وان تعمل جاهده في إعادة النظر في هذه القوانيين المسيسه التي يمكن ان تعيد للمشهد السوداني الدولة العميقة.ومااشبه اليوم بالبارحه.؟

 

في الختام، يشكل وجود الدولة العميقة في السودان وتوظيفها للقانون كأداة للقهر تهديدًا وجوديًا للديمقراطية والاستقرار الاجتماعي. طالما ظلت شبكات السلطة غير المرئية قادرة على التلاعب بالعدالة وتطبيق القانون بانتقائية صارمة، فإن شعوب السودان ستبقى تحت وطأة الاستلاب والتهميش. إن تحقيق دولة حديثة قائمة على المواطنة والمساواة يتطلب معركة حاسمة وشاملة ضد هذه الهياكل الموازية، وتأكيد سيادة القانون على كل النوايا السياسية والاجندات الفئوية الضيقة. لا يمكن للعدالة أن تزدهر حيث تسود المصالح الخفية والولاءات غير المعلنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!