رأي

السودان بين الهيمنة والغطرسة المصرية

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

من يسيطر على جيشك، يسيطر على مصير شعبك 

على مدى عقود، ظل السودان مسرحًا لتدخلات جارة تجاوزت كل حدود السيادة، مصر. النفوذ المستمر للقاهرة في شؤون السودان السياسية والعسكرية والاقتصادية لم يكن يومًا مجرد اهتمام عابر، بل استراتيجية ثابتة تهدف لتثبيت الهيمنة على حساب حرية الشعب السوداني واستقلال قراره الوطني.

الجيش السوداني، منذ تأسيسه، لم يكن مؤسسة وطنية مستقلة. فقد صار أداة تنفيذية للأجندات المصرية، وأداة لضمان مصالح القاهرة الاستراتيجية، بعيدًا عن أي التزام بحماية الوطن أو خدمة المواطنين. تحولت المؤسسة العسكرية من حارس للأمن القومي إلى وسيلة لإخضاع الدولة لمصالح خارجية، وأصبحت مشاركًا رئيسيًا في إشعال النزاعات الداخلية وتوسيع الانقسامات.

خبراء أكاديميون وعسكريون يؤكدون أن الجيش السوداني لم يكن يومًا قوة وطنية مكتملة، بل قوة مستأجرة تتبع تعليمات خارجية. هذا التبعية المستمرة جعلت السودان هشًا، عاجزًا عن اتخاذ قرارات سيادية، وعرضة لصراعات دامية وانقسامات متكررة. عبر هذا الدور، تحول الجيش إلى صانع أزمات، بدلاً من حامي الشعب، تاركًا ملايين المدنيين في مواجهة نتائج مأساوية للحروب المستمرة.

السياسات المصرية تجاه السودان لم تتوقف عند الجيش، بل امتدت إلى الاقتصاد والموارد الطبيعية. القاهرة استغلت النفوذ لضمان سيطرة غير مباشرة على قرارات القيادة العسكرية، والتحكم في موارد السودان الاستراتيجية، تحت شعارات الاستقرار والأمن، في حين كانت النوايا الحقيقية واضحة: فرض المصالح المصرية على حساب تطلعات الدولة والمواطن.

الحرب القائمة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع لم تكن بعيدة عن هذا التدخل. القيادات العسكرية استخدمت كأداة لتعزيز النفوذ الخارجي، مما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا المدنيين، ونزوح ملايين آخرين، وتحويل السودان إلى ساحة مفتوحة للصراعات المسلحة بدلًا من أن يكون دولة قادرة على حماية شعبها وإدارة مواردها بحرية واستقلال.

أي محاولة خارجية لفرض “خطوط حمراء” على الجيش لا تعدو كونها استمرارًا لاستراتيجية طويلة الأمد، تمزج بين المصالح الوطنية السودانية والمصالح الاستراتيجية لمصر، تاركة الدولة عاجزة عن حماية سيادتها ومصالح شعبها. التجربة التاريخية تؤكد أن التدخل الخارجي يطيل النزاعات ويعطل الحلول السياسية، بينما يمنح استقلال القرار الوطني فرصة حقيقية للسلام والاستقرار.

في هذا السياق، الحل الحقيقي يكمن في إعادة الجيش السوداني إلى حضن الوطن، تحت رقابة وطنية صارمة، بعيدًا عن أي توجيه خارجي. هذا النهج يضمن حماية السيادة، ويحد من مخاطر التدخل الخارجي، ويعيد السودان إلى مسار بناء دولة قوية قادرة على حماية حقوق مواطنيها وإدارة مواردها بنفسها.

السيادة ليست خيارًا، بل شرط أساسي لاستقرار السودان واستعادة حقوق شعبه في إدارة شؤونه بحرية. الجيش يجب أن يتحول من أداة للهيمنة الخارجية إلى قوة وطنية حقيقية، تعمل لحماية الشعب والوطن، لا لتعزيز مصالح أجندات خارجية.

اليوم، السودان يواجه تحديات مزدوجة: آثار الحرب والانقسامات الداخلية، والتدخل المستمر من جارة تجاوزت كل حدود الاعتبار. الرسالة واضحة: السيادة الوطنية فوق كل اعتبار، وأي محاولة لإعادة فرض النفوذ الخارجي ستواجه رفضًا شعبيًا وسياسيًا حاسمًا، والجيش السوداني يجب أن يكون خادمًا للوطن، لا أداة لقوى خارجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!