رأي

يونيو.. يوم دُفن فيه سودان الجهل وولد سودان المعرفة

مكين حامد تيراب

 

مكين حامد تيراب

في صباح السابع من يونيو 2026 لم يكن المشهد مجرد بداية امتحانات للشهادة السودانية، بل كان إعلاناً سياسياً وأخلاقياً وتاريخياً عن ميلاد مرحلة جديدة في السودان؛ مرحلة تُرفع فيها قيمة الإنسان فوق صوت الحرب، ويُقدَّم فيها التعليم باعتباره حجر الأساس لبناء الدولة لا ترفاً مؤجلاً في زمن البنادق.

إنه يوم التبشير والبُشرى.

يوماً قالت فيه حكومة السلام الانتقالية، حكومة الشعوب السودانية، إنها جاءت لتخدم وتعطي لا لتقهر وتحرم. فجاء الامتحان دليلاً عملياً لا خطاباً سياسياً، ورسالة واضحة بأن الدولة التي تُعيد الأطفال إلى مقاعد الدراسة أقوى من الدولة التي تدفعهم إلى ساحات النزوح والخوف و الموت.

لقد انطلقت امتحانات الشهادة السودانية في أكثر من 83 مركزاً، امتدت عبر أكثر من خمس ولايات، مع تخصيص مركز لطلاب الإقليم الأوسط، في خطوة تعكس إرادة سياسية حقيقية لإعادة الاعتبار للتعليم بعد سنوات من الانقطاع والحرمان والتجهيل الممنهج.

هذا اليوم لا يُقرأ بوصفه حدثاً تعليمياً فقط، بل باعتباره بداية فعلية لمسار التنمية، لأن التنمية أساسها الإنسان، والإنسان لا يُبنى إلا بالعلم والمعرفة. والشباب الذين جلسوا اليوم للامتحانات ليسوا مجرد طلاب؛ إنهم الحاضر الحقيقي، وكل المستقبل القادم.

وكأن زهرة عباد الشمس التي تفتحت هذا الصباح كانت تُعلن رمزياً اتجاه السودان الجديد نحو الضوء، وتؤكد أن زمن السودان القديم، سودان العنف والقتل واستدامة الجهل، بدأ يتراجع أمام مشروع جديد يدعو للحياة والعلم والمواطنة المتساوية.

لقد أكدت حكومة السلام والوحدة في هذا اليوم التاريخي مصداقيتها بأنها ماضية في تنفيذ أولوياتها التي أعلنتها منذ البداية: الصحة، والتعليم، والأمن، وتوفير احتياجات الناس. صحيح أن التحديات ضخمة، والمتاريس كثيرة، والحرب تركت خراباً هائلاً، لكن الإرادة التي استطاعت أن تُقيم امتحانات في هذه الظروف قادرة على أن تفتح أبواب المستقبل أيضاً.

ولهذا فإن الخطوة التالية يجب ألا تتأخر.

فنجاح امتحانات الشهادة السودانية يفرض واقعاً جديداً يستوجب من وزارة التعليم العالي البدء فوراً في وضع الترتيبات اللازمة لفتح الجامعات داخل جغرافيا حكومة التأسيس، لأن أي مشروع تعليمي يتوقف عند الشهادة الثانوية سيُنتج جيلاً معلقاً بين الأمل والفراغ.

المعركة القادمة ليست فقط معركة بنادق، بل معركة وعي ومعرفة وبناء مؤسسات.

وإذا كانت الحرب قد صنعت فاقداً تربوياً واسعاً، فإن الواجب الوطني الآن هو إطلاق مشروع شامل تحت شعار: “التعليم ثم التعليم”، حتى لا يتحول الانقطاع الدراسي إلى كارثة اجتماعية وسياسية طويلة المدى.

إن إرادة الشعوب تقوى بالمعرفة، والمعرفة أساسها التعليم.

وما جرى اليوم ليس مجرد امتحان… بل بداية تأسيس وطن جديد.

العلم يرفع بيتاً لا عماد له

والجهل يهدم بيت العز والشرف.

تأسيس ليست مجرد قضية سياسية، بل مشروع دولة وطموحات شعوب، تستند إلى إرادة تعرف جيداً أن الأمم لا تُبنى بالرصاص وحده، وإنما بالعقل، والكتاب، والمدرسة، والجامعة، والإنسان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!