
عابدة مختار
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وما يحيط بالمنطقة من توترات وصراعات متشابكة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى مقاربات سياسية ودبلوماسية قادرة على قراءة الواقع الدولي بعمق واستيعاب موازين القوى المتغيرة. فالتصعيد الإقليمي، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بإيران ومحيطها، يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة قد تقود إلى صراعات أوسع، وهو ما يفرض على دول المنطقة البحث عن مسارات أكثر حكمة لتجنب الانزلاق نحو الفوضى.
في هذا السياق، تبرز تحركات حكومة تأسيس بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو بوصفها محاولة لإعادة تموضع السودان في المشهدين الإقليمي والدولي، عبر مقاربة تقوم على توسيع دوائر التواصل والانفتاح الدبلوماسي. وتأتي زيارة كمبالا الأخيرة ضمن هذا الإطار، حيث تعكس سعياً واضحاً نحو تعزيز الحضور السوداني في الفضاء الأفريقي، وإعادة بناء العلاقات مع دول الجوار والقارة بشكل يراعي المصالح المشتركة ويؤسس لشراكات استراتيجية أكثر استقراراً.
إن التوجه نحو أفريقيا ليس مجرد خيار جغرافي، بل يمثل إدراكاً لطبيعة التحولات الجيوسياسية في المنطقة، حيث باتت القارة الأفريقية تمثل فضاءً مهماً للتعاون الاقتصادي والسياسي والأمني. ومن هنا يمكن فهم التحركات الدبلوماسية التي تسعى إلى توطيد العلاقات مع العواصم الأفريقية، في إطار رؤية تسعى إلى إعادة صياغة موقع السودان ضمن شبكة التوازنات الإقليمية.
وفي المقابل، لا تزال الأزمة السودانية تعاني من تعقيدات داخلية مرتبطة باستمرار الصراع وتباين المواقف بين القوى المختلفة. فبينما تبرز دعوات متزايدة للسلام ووقف الحرب، لا تزال بعض الأطراف تتبنى خطاباً تصعيدياً يهدد بإطالة أمد الأزمة وما يرافقها من معاناة إنسانية وتداعيات اقتصادية واجتماعية قاسية.
إن إنهاء الحرب في السودان لا يمثل مصلحة وطنية فحسب، بل يرتبط أيضاً باستقرار الإقليم بأكمله، خاصة في ظل الترابط الوثيق بين أمن السودان وأمن محيطه الجغرافي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر والشرق الأوسط. ولذلك فإن أي جهد دبلوماسي يهدف إلى بناء السلام واستعادة الاستقرار يجب أن يُنظر إليه بوصفه جزءاً من معادلة إقليمية أوسع.
ومن هذا المنطلق، فإن التحركات السياسية والدبلوماسية التي تشهدها المرحلة الراهنة تعكس محاولة لإعادة ترتيب الأولويات وبناء شبكة علاقات جديدة تقوم على المصالح المشتركة والقراءة الواقعية للتحولات الدولية. فالعالم اليوم يعيش مرحلة إعادة تشكل في موازين القوى، الأمر الذي يتطلب قدراً عالياً من الوعي السياسي والمرونة الدبلوماسية في إدارة العلاقات الخارجية.
إن بناء مستقبل أكثر استقراراً للسودان يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز الحسابات الضيقة، وتضع في مقدمة أولوياتها تحقيق السلام الداخلي وتعزيز الانفتاح الإقليمي، بما يضمن للسودان موقعاً فاعلاً في محيطه ويهيئ الظروف لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.




