
محمد داؤد بنداك
ليست وادي حلفا مجرد مدينة في أقصى شمال السودان، بل هي قصة صمود نادرة لشعب رفض أن يُقتلع من أرضه أو يُمحى من تاريخه. فهذه المدينة التي ابتلعتها مياه السد العالي ذات يوم، أعاد النوبيون بناءها بأيديهم العارية وإرادتهم الصلبة، بعد أن تخلى عنهم الجميع.
كانت حلفا القديمة درة مدن السودان بلا منازع. مدينة تتناغم فيها الطبيعة الخلابة مع العمران الأنيق وعبق التاريخ النوبي العريق. لكن عندما جاء طوفان السد العالي، لم يكن مجرد مشروع هندسي، بل كان زلزالًا إنسانيًا اقتلع مجتمعًا كاملًا من أرضه التاريخية.
ومع زحف المياه نحو المدينة وقراها، اختار كثير من الحلفاوين طريقًا مختلفًا عن الاستسلام. رفضوا التهجير القسري، وظلوا يراقبون تقدم المياه يومًا بعد يوم، يتحركون شرقًا بمحاذاة آخر شريط من الأرض اليابسة التي لم يبتلعها الطوفان. كانوا يفرون من الماء، لكنهم لم يفروا من أرضهم.
وحين استقر بهم المقام في الموقع الذي أصبحت فيه وادي حلفا الحالية، واجهوا واقعًا أكثر قسوة: دولة أعلنت رسميًا أنها غير مسؤولة عنهم. فقد صدر قرار وزاري واضح يعلن أن الحكومة السودانية لا تتحمل أي مسؤولية عن أي شخص يبقى في منطقة وادي حلفا.
كان ذلك تخليًا سياسيًا صريحًا عن مواطنين تمسكوا بأرضهم.
لكن النوبيين لم ينتظروا الدولة، ولم يطرقوا أبواب العالم طلبًا للنجدة. بل صنعوا معجزة صغيرة بأيديهم. شكّلوا لجانهم الشعبية، نظموا حياتهم بأنفسهم، وبنوا المدارس والمساجد والمستشفى بجهودهم الذاتية الخالصة. لم يكن هناك دعم حكومي ولا مساعدات دولية. كان هناك فقط إيمان عميق بأن الأرض التي عاش عليها الأجداد يجب أن تبقى لأحفادهم.
وهكذا، نهضت وادي حلفا من تحت الماء.
ومع مرور السنوات استعادت المدينة عافيتها. تمدد العمران، وعاد إليها بعض المهجرين، واستقرت فيها مجموعات من أبناء القرى والمحليات النوبية. ثم جاء التحول الاقتصادي الكبير عندما أصبحت حلفا معبرًا بريًا رئيسيًا إلى مصر عبر طريق أم درمان – وادي حلفا – أرقين. ازدهرت التجارة، وانتعش السوق، وتدفقت البضائع، وتحولت المدينة إلى مركز اقتصادي نشط في أقصى الشمال.
كما جذبت موجة البحث الأهلي عن الذهب آلاف الشباب من مختلف أنحاء السودان، فأصبحت المدينة تضج بالحياة: أسواق مزدحمة، متاجر عامرة، ومطاعم لا تهدأ.
لكن في السودان، حيث يبدأ العمران… يبدأ الفساد أيضًا.
فحين أعلنت السلطات المحلية قبل أسابيع خطة إسكانية طال انتظارها من أهالي حلفا، ظن الناس أن الوقت قد حان لإنصاف أبناء المنطقة. غير أن ما ظهر لاحقًا كشف الوجه القبيح لشبكات النفوذ.
فبدل أن تُوزع الأراضي وفق القانون على مستحقيها من أبناء المنطقة، بدأت تتسرب أخبار عن تصاديق مشبوهة وشهادات ملكية تُمنح مقابل الرشاوى أو عبر توصيات من نافذين في السلطة القائمة في بورتسودان ودنقلا. تحدث العشرات من المواطنين عن فساد واضح يهدف إلى فتح الباب أمام السيطرة على أراضي حلفا خارج إرادة أهلها.
لكن من لا يعرف تاريخ النوبيين يخطئ التقدير.
فأهالي حلفا الذين واجهوا الطوفان قبل عقود، لم يكونوا ليستسلموا اليوم أمام طوفان الفساد. خرجوا إلى الاجتماعات والندوات، ونظموا الوقفات الاحتجاجية والمظاهرات، ورفعوا صوتهم عاليًا حتى اضطرت السلطات إلى إيقاف تلك الخطة المشبوهة.
لقد فهم النوبيون حقيقة بسيطة:
الأرض التي أنقذوها من الغرق لن يسمحوا بسرقتها بالفساد.
إن حقوق الشعوب الأصلية أصبحت اليوم مبدأً راسخًا في القانون الدولي، لكن التجربة علمتنا أن القوانين وحدها لا تحمي الأرض إذا لم يحرسها وعي أهلها.
فالأرض النوبية ليست مجرد عقار يُباع ويُشترى في السوق، بل هي أساس الهوية والتاريخ والثقافة. ومن يفقد الأرض يفقد معه كل شيء.
ولهذا فإن أخطر ما يواجه المنطقة النوبية اليوم ليس الفقر ولا الإهمال، بل ظاهرة بيع الأراضي والمنازل والمتاجر لجهات من خارج المكون النوبي. قد يكون الدافع لدى البعض ضيق الحال أو الحاجة إلى المال، لكن النتيجة في المدى البعيد ستكون كارثية.
فإذا استمرت هذه الظاهرة، قد يأتي يوم يصبح فيه النوبيون أقلية في أرضهم التي عاش فيها أجدادهم آلاف السنين.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية.
فالحفاظ على الأرض النوبية لا يكون بالشعارات، بل بإعمارها بأيدي أهلها، وبالحفاظ على ملكيتها داخل المجتمع النوبي. وإذا دعت الحاجة إلى تداولها، فيجب أن يتم ذلك داخل الإطار النوبي نفسه، لا أن تتحول الأرض إلى سلعة في أيدي تجار الأراضي والسماسرة.
لقد أثبت النوبيون أنهم قادرون على مواجهة الطوفان، وبناء مدينتهم من جديد بعد أن ابتلعتها المياه.
لكن التحدي اليوم أكبر وأخطر.
فالمياه يمكن أن تغرق المدن…
أما الفساد فيمكن أن يسرق الأوطان نفسها.
ولهذا فإن رسالة وادي حلفا اليوم واضحة وصريحة:
أنقذ النوبيون حلفا من الغرق… ولن يسمحوا بسرقتها بالفساد.
محمد داؤد بنداك
مارس 2026




