رأي

كمال إدريس والفاتيكان: دبلوماسية صكوك الغفران

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

في الوقت الذي يعيش فيه السودان واحدة من أكثر مراحله دموية وتعقيدًا منذ عقود، جاءت زيارة رئيس وزراء حكومة الأمر الواقع في السودان إلى الفاتيكان لتفتح بابًا واسعًا من التساؤلات السياسية والإنسانية والأخلاقية، ليس داخل السودان فحسب، بل أيضًا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الإقليمي والدولي المتابع لما يجري في البلاد. فبينما تحاول السلطة السودانية تقديم الزيارة بوصفها خطوة دبلوماسية تعكس انفتاحًا سياسيًا وحضورًا دوليًا، يرى كثير من السودانيين أن هذه الزيارة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل استمرار الحرب، واتساع رقعة النزوح، وتصاعد الاتهامات المرتبطة بالانتهاكات الإنسانية، الأمر الذي يجعل أي تحرك خارجي للسلطة محل جدل وتساؤلات مشروعة.

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخل السودان في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث. فقد تحولت مدن بأكملها إلى ساحات قتال، وأُجبر ملايين المواطنين على مغادرة منازلهم، بينما انهارت الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وكهرباء ومياه في مناطق واسعة من البلاد. المواطن السوداني، الذي كان يحلم عقب سقوط نظام عمر البشير بقيام دولة مدنية مستقرة، وجد نفسه مرة أخرى وسط دوامة من الصراع العسكري والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي، في مشهد أعاد إلى الأذهان سنوات طويلة من الأزمات والحروب التي أنهكت السودان وأضعفت مؤسساته ومزقت نسيجه الاجتماعي.

وفي هذا السياق، لم تُقرأ زيارة الفاتيكان باعتبارها مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل بوصفها خطوة ذات أبعاد رمزية وأخلاقية عميقة، نظرًا إلى المكانة التي يمثلها الفاتيكان عالميًا باعتباره رمزًا للسلام والحوار والدفاع عن القيم الإنسانية. ولهذا، يرى كثير من السودانيين أن السلطة التي جاءت بعد الانقلاب على الحكومة الانتقالية تحاول، من خلال هذه الزيارة، تقديم نفسها أمام العالم بصورة أكثر قبولًا، أو البحث عن نوع من الغفران السياسي في ظل تصاعد الانتقادات الدولية المرتبطة بالحرب والانتهاكات وتعثر جهود السلام.

وقد استُخدم تعبير صكوك الغفران بصورة رمزية لوصف ما يعتبره منتقدون محاولاتٍ لتلميع صورة السلطة عبر المنابر الدولية والدينية، واستثمار التباينات السياسية الدولية من أجل تخفيف الضغوط المرتبطة بالحرب في السودان. ويقول ناشطون إن هذه التحركات تأتي في وقت لا تزال فيه أصوات القصف تُسمع داخل المدن السودانية، ولا يزال ملايين النازحين يعيشون أوضاعًا إنسانية مأساوية داخل مراكز الإيواء وخارج البلاد. وبالنسبة إلى هؤلاء، لا يمكن لأي صورة دبلوماسية أو لقاء خارجي أن يمحو آثار الحرب أو يخفف من حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المواطن السوداني.

أن الأزمة السودانية الحالية ليست مجرد صراع عسكري طارئ، بل هي نتيجة مباشرة لفشل إدارة المرحلة الانتقالية عقب سقوط النظام السابق، وتغليب الحلول الأمنية والعسكرية على الحوار السياسي الحقيقي. كما تتحمل المؤسسة العسكرية، بحسب قوى مدنية وسياسية، جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن تعثر التحول الديمقراطي، وإدخال البلاد في حالة من الاستقطاب والانقسام انتهت بانفجار الحرب الحالية.

وفي خضم هذا المشهد، يزداد القلق الشعبي من استمرار استخدام المعاناة الإنسانية كورقة سياسية في الصراع الدائر، بينما يبقى المدنيون وحدهم الضحية الكبرى. فالنساء والأطفال وكبار السن هم من يدفعون يوميًا ثمن الحرب، سواء عبر النزوح أو فقدان الأمن أو انهيار الخدمات أو اتساع رقعة الفقر والجوع والمرض. كما يشعر كثير من السودانيين بمرارة عميقة بسبب حرمان أجيال كاملة في مناطق كردفان ودارفور والنيل الأزرق من الاستقرار والتعليم والحياة الطبيعية نتيجة استمرار الحرب واتساع دائرة النزاع.

وينظر قطاع واسع من المواطنين إلى زيارة كمال إدريس إلى الفاتيكان من زاوية القلق من أن تتحول إلى محاولة لتسويق صورة أكثر إنسانية لحكومة تواجه اتهامات واسعة بالفشل في حماية المدنيين وإنهاء الحرب. ويرى هؤلاء أن القضية الأساسية بالنسبة إلى الشعب السوداني ليست تحسين الصورة السياسية أمام الخارج، وإنما وقف نزيف الدم، وعودة النازحين إلى ديارهم، واستعادة حق السودانيين في الأمن والكرامة والحياة الطبيعية.

فالأسئلة التي تتردد يوميًا داخل السودان لم تعد تتعلق بمن يلتقط الصور مع قادة العالم، بل متى تتوقف الحرب، ومتى يعود الأطفال إلى مدارسهم، ومتى يشعر المواطن السوداني بأن حياته أصبحت أولوية حقيقية لدى القوى المتصارعة على السلطة.

ولهذا، تبقى الرسالة التي يرددها كثير من السودانيين واضحة ومباشرة: إن السلام الحقيقي لا يُصنع عبر الزيارات الخارجية وحدها، ولا عبر تحسين الصورة السياسية أمام العالم، وإنما عبر وقف الحرب، واحترام إرادة الشعب، وفتح الطريق أمام العدالة والمصالحة، وبناء دولة مدنية عادلة تحفظ كرامة الإنسان السوداني وتُنهي سنوات الدم والخوف والانقسام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!