
نجم الدين دريسة
ليست أزمة السودان في تعثر السياسة وحدها، ولا في صراع النخب، بل في خلل بنيوي أعمق يتمثل في طبيعة المؤسسة العسكرية نفسها، التي لم تنشأ كنتاج لدولة وطنية، بل سبقتها تاريخيًا، ثم ظلت تعيد تشكيلها وفق منطق القوة لا منطق القانون. هذه الحقيقة تضع الجيش في قلب الأزمة، لا على هامشها.
فالجيش السوداني، منذ تأسيسه، لم يكن يومًا انعكاسًا لإرادة وطنية جامعة، بل تشكّل في سياق استعماري سابق على ميلاد الدولة الحديثة بأكثر من ثلاثة عقود. ومنذ تلك اللحظة، نشأت المفارقة الكبرى: مؤسسة تمتلك القوة قبل أن تتكوّن الدولة التي يفترض أن تخضع لها. هذه المعادلة المختلة جعلت الجيش ليس جزءًا من الدولة، بل أحد محددات وجودها.
ومع مرور الزمن، لم تُصحّح هذه المفارقة، بل تعمّقت، خاصة مع التداخل السياسي داخل المؤسسة العسكرية. فقد شهد الجيش مراحل متقدمة من الاختراق المنظم، حيث تم توظيفه لخدمة مشاريع سياسية محددة، بدل أن يكون مؤسسة مهنية محايدة. ولم يكن انقلاب عام 1989 سوى تتويج لمسار طويل من زرع الولاءات داخل الجيش، بحيث أصبح القرار العسكري مرتبطًا بأجندة سياسية جاهزة للتنفيذ.
في هذا السياق، لم يعد الجيش قوة تحمي الدولة أو الشعب، بل تحول إلى أداة لإخضاع المؤسسات المدنية، وضمان استمرار نمط حكم معين. هذا التحول لم يكن سطحيًا، بل امتد إلى البنية العميقة للمؤسسة، حيث تأثرت منظومة التعليم والتدريب، وتحولت الكلية الحربية من فضاء لبناء الضباط المهنيين إلى بيئة تتأثر بالولاءات السياسية.
وهكذا، لم يعد الخلل في الأداء فقط، بل في التكوين ذاته. إذ أصبحت الولاءات الشخصية والتنظيمية تتفوق على الولاء الوطني، وهو ما جعل الجيش أداة تنفيذية لأي مشروع سياسي يخدم جماعة بعينها. هذا الواقع يجعل الحديث عن استقلالية الجيش أقرب إلى الوهم، لأن المؤسسة، تاريخيًا، ظلت مرتبطة بمراكز نفوذ سياسية، لا بمصالح الوطن.
خلال العقود الماضية، استُخدم الجيش كوسيلة لضمان السيطرة على الدولة، وتطويع مؤسساتها، وإعادة إنتاج السلطة. ولم يكن ذلك مجرد انحراف مؤقت، بل نمط حكم مستقر، جعل من المؤسسة العسكرية لاعبًا رئيسيًا في السياسة، بدل أن تكون حارسًا لها من الخارج.
هذا الدور أسهم بشكل مباشر في تعطيل مسار الدولة الديمقراطية، إذ لا يمكن لأي تجربة مدنية أن تنجح في ظل وجود مؤسسة تمتلك القوة خارج إطار الرقابة والمساءلة. ولذلك، فإن أي مشروع إصلاح سياسي يتجاهل هذه الحقيقة، محكوم عليه بالفشل.
في ظل هذا الواقع، يصبح بناء جيش جديد ضرورة استراتيجية، لا خيارًا سياسيًا. هذا الجيش لا يمكن أن يقوم على نفس الأسس القديمة، ولا على نفس شبكات الولاء، بل يجب أن يُبنى على قاعدة وطنية صلبة، تعكس التنوع السوداني، وتلتزم بالدستور والقانون.
بناء هذا الجيش يتطلب إعادة نظر شاملة في كل مكونات المؤسسة العسكرية، بدءًا من التعليم والتدريب، مرورًا بآليات الاختيار والترقي، وصولًا إلى الثقافة التنظيمية. فالمطلوب ليس تغيير الوجوه، بل إعادة صياغة العقيدة العسكرية نفسها، بحيث يكون الولاء للوطن، لا لأي جهة أخرى.
كما أن إخضاع المؤسسة العسكرية لرقابة مدنية حقيقية يمثل شرطًا أساسيًا لضمان عدم تكرار التجربة السابقة. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم في ظل مؤسسة تمتلك القوة دون مساءلة، بل تحتاج إلى توازن واضح بين السلطات.
إلى جانب ذلك، يجب أن يكون الجيش الجديد شاملاً لكل مكونات المجتمع السوداني، بحيث لا يُنظر إليه كأداة لفئة ضد أخرى، بل كمؤسسة وطنية جامعة تمثل الجميع. هذا التنوع هو الضامن الحقيقي لوحدة الدولة، وهو ما يفتقده النموذج القديم.
كما ينبغي أن تُبنى هذه المؤسسة على الشفافية والوضوح، بحيث تكون مهامها محددة، ودورها معروفًا، وحدودها واضحة، بعيدًا عن الغموض أو التداخل مع السياسة. فوضوح الدور هو ما يمنع الانحراف، ويضمن الاستقرار.
إن الاستفادة من التجارب السابقة أمر ضروري، لكن الأهم هو عدم تكرار أخطائها. فالجيش الجديد يجب أن يكون ضامنًا للدولة، لا أداة لإعادة إنتاج الأزمات. وهذا يتطلب التزامًا حقيقيًا بالمهنية والحياد، بعيدًا عن أي تأثيرات سياسية أو أيديولوجية.
في النهاية، يكشف التاريخ السوداني أن المشكلة لم تكن في غياب الدولة فقط، بل في وجود جيش سبقها واستمر في تشكيلها وفق منطقه الخاص. ولذلك، فإن إعادة بناء الدولة تبدأ بإعادة تعريف دور الجيش، ووضعه في مكانه الطبيعي داخل النظام، لا فوقه.
السودان اليوم أمام خيار واضح: إما أن يعيد بناء مؤسسته العسكرية على أسس وطنية حقيقية، أو أن يظل أسيرًا لخلل تاريخي يعيد إنتاج نفسه في كل مرحلة.
فالجيش، حين يُبنى على قاعدة وطنية، يكون ضمانًا للاستقرار.
أما حين يسبق الدولة… ويحتكر تشكيلها… فإنه يصبح أصل أزمتها.




