
مؤيد الأمين
لم تكن مظاهرات عطبرة هذا الصباح حدثاً مفاجئاً بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لمسار طويل من الانهيار الاقتصادي والسياسي. حين يصل سعر الرغيفة إلى 300 جنيهاً لا يعود الحديث عن أزمة معيشية عابرة بل عن لحظة كاشفة لانهيار منظومة الحكم نفسها. في السودان ظل الخبز دائماً المؤشر الأكثر صدقاً لقياس العلاقة بين السلطة والناس، وحين يختفي الخبز تبدأ السياسة في الشارع لا داخل المكاتب.
المشهد بدأ هادئاً كما تبدأ كل الانفجارات الكبرى. مواطنون يقفون أمام المخابز يحاولون التكيّف مع واقع جديد حيث الألف جنيه لم تعد تكفي إلا لعدد محدود من الرغيفات، تفاوت في الأسعار بين الأحياء، وغياب كامل للرقابة، وكأن الدولة انسحبت من أبسط وظائفها وتركت السوق يدار بالفوضى. هنا يتحول الاقتصاد من أداة لتنظيم الحياة إلى عبء يومي يطحن الناس بلا رحمة.
تزامن ذلك مع زيادات الوقود التي دفعت تكاليف النقل إلى مستويات غير محتملة، فاندلعت الخلافات بين الركاب والسائقين وأصبحت الحركة داخل المدينة مرتبكة ومكلفة في آن واحد. ما يحدث ليس مجرد غلاء بل نموذج واضح للتضخم المتسلسل حيث تنتقل الأزمة من الخبز إلى الوقود ثم إلى المواصلات والأسواق والخدمات حتى تصبح الحياة نفسها مشروعاً مرهقاً للبقاء.
مشاهد الازدحام أمام محطات الوقود والانقطاع الكامل للكهرباء تكشف أن الأزمة أعمق من نقص الموارد. إنها أزمة إدارة دولة فقدت قدرتها على التخطيط وضبط الإمدادات وتقديم الحد الأدنى من الاستقرار. فالدول لا تنهار بضربة واحدة بل عبر تراكم أخطاء صغيرة تتحول مع الزمن إلى واقع يومي خانق.
السخرية القاسية أن الخطاب الرسمي لا يزال يتحدث عن الاستقرار بينما المواطن يعيش حالة طوارئ معيشية مفتوحة. تُشدد القبضة الأمنية وتُرفع شعارات السيطرة بينما تتآكل القدرة الشرائية وينهار قطاع البناء وتتضاعف الأسعار بلا سقف. السلطة تبدو منشغلة بتثبيت حكمها أكثر من انشغالها بتثبيت حياة الناس، وكأن الأزمات أصبحت وسيلة للبقاء السياسي لا مشكلة يجب حلها.
عطبرة تعود اليوم لدورها التاريخي كمدينة تبدأ منها التحولات الكبرى. فالجوع لا يخضع لقانون الطوارئ، والإنهاك الاقتصادي لا يمكن قمعه إلى الأبد. الإسلامويون الذين عادوا عبر سلطة الأمر الواقع يواجهون الآن الحقيقة نفسها التي تجاهلوها سابقاً، وهي أن إدارة الأزمات لا تصنع شرعية، وأن الشعوب قد تصبر طويلاً لكنها لا تتخلى عن حقها في الحياة.
ما يجري ليس غضباً على سعر الخبز وحده بل رفضاً كاملاً لنموذج حكم قائم على الفشل والفساد واستنزاف المجتمع. ومع تمدد السخط من مدينة إلى أخرى تتضح معالم مرحلة جديدة تتطلب وعياً سياسياً وتنظيماً جماعياً يعيد ميزان القوة إلى الشارع.
اللحظة الراهنة تفرض على القوى المدنية والثوار تجاوز الخلافات الضيقة والاصطفاف مرة أخرى حول مشروع وطني واضح يقتلع الإسلامويين وكل الآفات السياسية التي تنكل بالشعب وتسرق مستقبله لتثبيت حكمها الانقلابي. فالتاريخ السوداني يثبت دائماً أن الشعوب حين تتحرك لا تبحث فقط عن الخبز بل عن الكرامة أيضاً، واليوم عطبرة تقول إن الطريق قد بدأ من جديد.




