سودان جديد – نفسياً – سلسلة: تفكيك مصفوفة الوهم (4) الحرب النفسية – هندسة الهزيمة: «عقلنة الشر».. كيف تستخدم النخب “الضباب” لقتل الغضب الأخلاقي؟
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
مقدمة: “القتلة الناعمون” في دولة 56
إذا كانت “دولة 56” تعتمد على جنرالات الجيش والمليشيات لتنفيذ القتل المادي، فإنها تعتمد على “النخب المثقفة” لتنفيذ القتل المعنوي والإدراكي.
لا يمكن لأي نظام استبدادي عنصري أن يستمر بالرصاص وحده؛ الرصاص يقتل الأجساد، لكنه يستفز “الغضب الأخلاقي” لدى الجماهير، وهذا الغضب هو الوقود الذي يُسقط الأنظمة. لذلك، ابتكرت المنظومة طبقة من “المهندسين الاجتماعيين” (سياسيين، أكاديميين، قادة مجتمع مدني) مهمتهم الأساسية هي: تبريد الدماء، واغتيال الغضب الأخلاقي قبل أن يتحول إلى ثورة جذرية.
كيف يفعلون ذلك؟ عبر استخدام سلاحين فتاكين: “عقلنة الشر” و “صناعة الضباب”.
عقلنة الشر: كيف تحول المذبحة إلى “إجراء إداري”؟
الضمير الإنساني الطبيعي ينفر من رؤية الأشلاء وقصف الطيران للأسواق، وينحاز تلقائياً للمظلوم. لكي يمنع “المثقف التابع لدولة 56” هذا التعاطف، فإنه يقوم بـ “عقلنة الشر” (Rationalization of Evil)؛ أي تغليف الجريمة البشعة بغلاف منطقي وإداري بارد.
• عندما يقوم طيران الجيش بإبادة قرية كاملة في الهامش، لا يخرج هذا المثقف ليقول: “هذه إبادة جماعية وجريمة حرب”. بل يستخدم مصطلحات معقمة مثل: “أخطاء عسكرية مصاحبة، تفلتات أمنية، أو إجراءات سيادية لفرض هيبة الدولة”.
• عندما يموت الناس من الجوع في جبال النوبة بسبب حصار مفروض من المركز، يُسمى ذلك في قاموس النخبة: “اختلالات في سلاسل الإمداد”. أو يتهم الحركة الشعبية بأنها السبب.
هذا التلاعب اللغوي ليس عفوياً؛ إنه يعمل كـ “كاتم صوت” للضمير الجمعي. عندما تستخدم مصطلحات أكاديمية وباردة لوصف الرعب، فإنك تنزع عن الجريمة وحشيتها، وتجعل المواطن العادي يتعامل مع شلال الدم وكأنه مجرد “خطأ في ورقة إدارية” لا يستوجب الثورة أو الغضب.
“فخ الحياد الأنيق”: المساواة بين الضحية والجلاد
السلاح الثاني والأكثر خبثاً هو “مغالطة التماثل الزائف” (False Equivalence).
تحت قناع “المدنية” و”الموضوعية”، يخرج علينا هؤلاء الضبابيون بخطاب يبدو في ظاهره نبيلاً ومسالماً: “نحن ضد الحرب.. كل الأطراف مجرمة.. لا للانحياز”.
هذا “الحياد الزائف” هو في حقيقته أكبر خيانة لآلام المقهورين. لماذا؟
لأنه يساوي بين مؤسسة (الجيش المختطف) التي تحتكر سلطة الدولة وتستخدم طيران الشعب لإبادة الشعب من أجل حماية امتيازات كارتيل الفساد، وبين القوى الثورية (الحركات والدعم السريع) التي حملت السلاح دفاعاً عن نفسها أو تمرداً على واقع التهميش والأبارتهايد.
إن القول بأن “الجميع سيئون بنفس القدر” هو رسالة مبطنة تقول للضحية: “مقاومتك لجلادك هي جريمة مساوية لجريمة الجلاد الذي يذبحك”.
الحياد هنا ليس موقفاً أخلاقياً، بل هو سياج حماية لدولة 56، يمنع تشكيل أي اصطفاف وطني حقيقي لإسقاطها.
صناعة “الضباب” وإغراق الثورة في البيروقراطية و المغالطات.
المهام الخفية لهذه النخب تتجلى بوضوح بعد كل ثورة شعبية (أكتوبر، أبريل، وديسمبر).
عندما تثور الجماهير وتصل اللحظة إلى نقطة المطالبة بـ “التغيير الجذري” (تفكيك الجيش القديم، العلمانية، الفيدرالية)، تتدخل النخبة فوراً لفتح “نافذة الضباب”.
بدلاً من اتخاذ قرارات ثورية حاسمة تنهي هيمنة المركز، يتم استدراج لجان المقاومة وقوى التغيير إلى مستنقع البيروقراطية: (ورش عمل، مؤتمرات قاعدية، إعلانات دستورية معقدة، ومفاوضات لا تنتهي).
الهدف الإدراكي من ذلك هو إرهاق العقل الجمعي. عندما يغرق الشاب الثائر في تفاصيل صياغة “الوثائق” لأشهر طويلة، يتبخر غضبه الأخلاقي، وتتحول الثورة المشتعلة إلى “طاقة ساكنة”، مما يمنح “دولة 56” الوقت الكافي لالتقاط أنفاسها، وترتيب صفوفها، والانقضاض على الثورة عبر انقلاب عسكري جديد.
لقد جعلوكم تعتقدون أن التمسك بالمطالب الجذرية هو “تطرف وطفولة سياسية”، وأن التنازل للجيش وعقد الصفقات معه هو “الحكمة ورجاحة العقل”!
الترياق: استعادة الغضب وتسمية الأشياء بمسمياتها
كيف نكسر هذا الفخ الذي تنصبه لنا “الكتائب الناعمة”؟
1. استعادة حقنا في الغضب الأخلاقي: الغضب ضد الظلم ليس عيباً، بل هو شرف ودليل على حياة وحيوية الضمير. يجب ألا نسمح لأي سياسي متأنق أن يُخجلنا من غضبنا، أو يطلب منا “التهدئة” بينما طيران الجلاد يحصد أرواح أهلنا.
2. استرداد القاموس اللغوي: لا تقبل بلغة الجلاد الناعمة. المذبحة هي مذبحة، والسرقة هي سرقة، والجيش المؤدلج هو مليشيا تابعة للحركة الإسلامية والمركز، وليس مؤسسة وطنية.
تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية مهما كانت قاسية هي أولى خطوات التحرر.
3. رفض المنطقة الرمادية: في معارك إنهاء الأبارتهايد وبناء دول المواطنة، “المنطقة الرمادية” هي المقبرة التي تُدفن فيها الثورات. الحياد في وجه الإبادة هو انحياز كامل للقاتل.
في المقال القادم، سنفتح ملف «اقتصاد الخوف».. لنتعرف على كيفية استثمار دولة 56 في إبقاء المواطن رهينة ل “الطوارئ الدائمة”، وكيف تُحوّل الخوف إلى مورد سياسي يطيل عمرها.




