
زينب حسن سعيد
مع اقتراب الذكرى الثالثة لاندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو “مؤتمر برلين الإنساني” المزمع عقده في محاولة لتخفيف وطأة المأساة السودانية. ورغم الترحيب المبدئي بأي مسعى دولي جاد لوقف نزيف الدم وإيصال الإغاثة للمتضررين، إلا أن التحضيرات الجارية للمؤتمر تكشف عن انحراف خطير يهدد بنسف هذا المسعى؛ ألا وهو محاولة حشر واجهات وشخصيات تابعة للحركة الإسلامية والنظام البائد في منبر إنساني بحت، في تجاوز صارخ لحقائق التاريخ وإرادة الشعب السوداني.
حصان طروادة.. واجهات صورية لتمرير الإرهاب
إن ما تشهده كواليس المؤتمر من تخبط وعشوائية في اختيار المشاركين يعكس استخفافاً بعقول السودانيين وبحجم مأساتهم. لقد بات واضحاً أن هناك توجهاً لزج منظمات “مجتمع مدني” صورية وعديمة القيمة، لا تملك أي رصيد حقيقي أو تأثير على الأرض، لتكون مجرد “حصان طروادة” وغطاءً لتمرير عناصر الحركة الإسلامية المصنفة إرهابية. إن الجمع بين هذه الواجهات الكرتونية وقوى التطرف والإرهاب التي أشعلت الحرب أساساً، هو محاولة مكشوفة لتسييس العمل الإنساني، ومكافأة لمن صنعوا الكارثة بمقاعد دولية على حساب معاناة النازحين واللاجئين.
لا إنسانية مع صُنّاع العنف
إن محاولة إدخال النظام القديم عبر بوابة “الإغاثة والمجتمع المدني” هي محاولة بائسة لاختطاف الصوت المدني الحقيقي. الحركة الإسلامية، بسجلها الحافل في تقويض الديمقراطية، ودورها المحوري في انقلاب 25 أكتوبر 2021، ومسؤوليتها المباشرة عن إشعال حرب أبريل، لا تمثل طرفاً يمكن ائتمانه على عمل إنساني، بل تمثل “العنف الهيكلي” في أبشع صوره.
إن التعامل مع أذرع هذه الحركة يتناقض تماماً مع أي مسعى لتأسيس إطار حقيقي للتعافي الوطني. لا يمكن الحديث عن إغاثة وسلام مستدام دون إرساء قواعد صارمة تضمن تفكيك بنية النظام القديم، ومحاسبة رموزه الذين خربوا البلاد، بدلاً من استغلال المنابر الإنسانية لإعادة تسويقهم.
”تأسيس”.. الموقف المبدئي في وجه العبث
في هذا السياق المفصلي، يأتي الموقف الشجاع لـ “تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)” ليمثل حائط الصد المنيع أمام هذا العبث. إن البيان الصادر عن التحالف يعبر بصدق عن تطلعات القوى المدنية الحية، واضعاً النقاط على الحروف برفضه القاطع لأي مساومات مع قوى الردة والانقلاب تحت أي غطاء كان. إننا نعلن دعمنا المباشر والكامل لهذا الموقف التاريخي الذي يرفض تسييس المساعدات الإنسانية.
لقد استند بيان “تأسيس” إلى مرجعيات دولية ملزمة، أبرزها بيان الرباعية الصادر في سبتمبر 2025، والذي حسم بوضوح مسألة استبعاد الإسلاميين. إن تجاوز هذه المرجعيات يطعن في مصداقية المؤتمر ويجرده من هدفه الإنساني النبيل.
رسالة للمجتمع الدولي
رسالتنا اليوم للوسطاء والمنظمين في برلين واضحة ولا تقبل التأويل: إن استرضاء دعاة الحرب ومؤيديها، وحشرهم مع منظمات الظل عديمة القيمة، لن يخفف من معاناة السودانيين، بل سيعقد الأزمة ويطيل أمد النزاع.
إن إنقاذ السودان يتطلب شجاعة في استبعاد كل كيان تلوثت يده بدمار البلاد. إما انخراط دولي جاد وشفاف يركز على الإنسانية ويحترم إرادة الشعب السوداني، وإما مؤتمر يُضاف إلى قائمة المحاولات الفاشلة لإعادة إنتاج “مشروع الدولة القديمة” بغطاء إغاثي. الثورة مستمرة، ولا مكان للإرهاب في سودان الغد، لا في ميادين السياسة، ولا في منابر الإنسانية.




