رأي

فرملة دولة 1956م

مهدي حامد

 

مهدي عبدالله حامد

حين ارتفع علم السودان في سماء الخرطوم مطلع يناير من عام 1956، لم يكن الأمر مجرد استبدال قماش بقماش وانما كان إيذانًا بميلاد حلم عريض في قارة كانت تتلمس خطى التحرر، ولكننا اليوم، ونحن نرى الدخان يتصاعد من قلب الخرطوم في حرب 15 أبريل الأليمة، ندرك بمرارة أن ذلك العلم قد رُفع فوق أساسات هشة، وأننا قد ورثنا دولة ولم نبنِ أمة، وإن الحقيقة التي يجب أن نواجهها بجرأة هي أن رصاص 15 أبريل التي قام بإطلاقها جيش النظام البائد ما هي إلا حلقة جديدة تجاه رغبة المركز المريضة للتحكم على الأوضاع الي حين قيام الساعة، وقد أطلق الطلقة الأولى هذه المرة عندما شعر بإقتراب أحد أبناء الهامش من السلطة، فجاءت هذه الطلقة للتأكيد والإجابة معا على الأسئلة الكبرى حول من يحكم السُّودان، وليست حول كيف يُحكم..؟ وكذلك للإجابة عن كيف تتأثر هذه الفئة الآثمة بموارد البلاد، وليست بشأن كيف نقتسم الثروة والسلطة..؟ وكذلك جاءت هذه الحرب حول كيف تفرض الآحادية العرقية والجهوية، وليس حول كيف نحترم هذا التنوع الباذخ الذي هو مصدر قوتنا قبل أن يكون سبب فرقتنا.

فلقد سقطت البلاد في فخ “المركزية القابضة” منذ اللحظة الأولى للإستقلال المنقوص، حيث ظلت الخرطوم هي “السودان” والبقية مجرد هوامش ترفد المركز بالثروة والجنود، ولعمري هذه الهيكلية المشوهة خلقت شعورا بالظلم التاريخي، فكانت حرب الجنوب التي استنزفت الموارد والأرواح، ثم دارفور، والنيل الأزرق، وجنوب كردفان، حيث إننا كمن “يبني بيتا فوق الرمال” كلما أضفنا طابقا، زاد الميل وزاد الخطر، والمشكلة لم تكن في شح الموارد، وانما كانت في عقلية الإقصاء التي سيطرت على المشهد السياسي، سواء كان من يرتدي “الكاكي” أو من يرتدي “جلابية الحكم المدني” فكلاهما أدار البلاد بعقلية الغنيمة لا بعقلية الدولة، وكلاهما وقع في فخ الاستقواء بالجهة والعرق على حساب الشعب والوطن، الأمر شكل هذا المأزق التاريخي بتبادل الأدوار وتدوير النفايات وهي( انقلاب عسكري، ديمقراطية لساعات، حرب لسنوات).

إن المتأمل في مسيرتنا يجدها دائرة مفرغة لا تنتهي، ديمقراطية وليدة يغتصبها انقلاب عسكري، ثم ثورة شعبية تقتلع الديكتاتور لتعقبها فترة انتقالية تتصارع فيها الأحزاب، مما يمهد الطريق لانقلاب جديد، فهذا الإدمان التاريخي على الفشل جعل مؤسساتنا هشة، وجعل مفهوم “الوطن” يتوارى خلف “القبيلة” أو “الحزب” أو “الطائفة”

لقد وصل بنا الحال إلى أن أصبح الصراع ليس على برامج تنموية، وانما صراعا وجوديا “نكون أو لا نكون” وكما إن 15 أبريل هي “العظة والعبرة” التي يجب أن تفتح أعيننا على أن الحلول الترقيعية مثل “ما يسمى بـ مؤتمر برلين” لم تعد تجدي نفعا، وأن الاتفاقات التي تُبنى تحت الطاولات وبين النخب المعزولة عن الشارع هي مجرد مسكنات لسرطان استشرى في جسد الوطن، وكما أن العبرة المستخلصة من هذا الرماد هي أن “الوطن الذي لا يحمي الجميع، لا يحميه أحد” وأن “الجيش الواحد المهني الجديد” هو الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار، شريطة أن توازيه طبقة سياسية ناضجة تؤمن بأن صناديق الاقتراع هي الطريق الوحيد للسلطة، لا فوهات البنادق.

والمفارقة هنا هي، فقد اشعل الفلول هذه الحرب “إلا انه فإن الرياح لا تأتي بما تشتهي سفنهم” لان 15 أبريل حرب لا تشبه الحروبات السابقة، ولذلك هي لن ولم تكن تمثل أزمة ضمن أزمات ومحطات البلاد السابقة ، وانما هي نقطة تحول استراتيجي وعلامة حاسمة وفاصلة في مسار ومصير الدولة السودانية لتضع حد نهائي للعبث والفرملة التي تتوقف عندها دائرة الحلقة المفرغة لثالوث العبث انقلاب، ديمقراطية، حرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!