تقارير وتحقيقات

حرثٌ في البحر… دبلوماسية أمجد فريد بين إنفاق الملايين واتساع العزلة

التنوير تقرير خاص القسم السياسي

 

التنوير  تقرير خاص القسم السياسي

 

إنفاق في الخارج… وأزمة تتفاقم في الداخل

في الوقت الذي يواجه فيه السودان واحدة من أعقد أزماته في تاريخه الحديث، تكشف وثائق رسمية أمريكية عن مسار موازٍ اختارته سلطة بورتسودان، يقوم على إنفاق مبالغ كبيرة عبر السفارة السودانية في واشنطن على شركات ضغط سياسي وعلاقات حكومية، في محاولة لتحسين صورتها أمام الإدارة الأمريكية والكونغرس ومراكز النفوذ.

غير أن هذه التحركات، التي قاد جزءاً منها مستشار قائد الجيش أمجد فريد، لم تحقق اختراقاً يُذكر، بل بدت – وفق مراقبين – أقرب إلى “حرث في البحر”، حيث لم تُثمر سوى مزيد من العزلة والخيبات السياسية.

أرقام معلنة… وواقع أكبر من الوثائق

الوثائق الأمريكية كشفت تعاقدات واضحة مع شركات ضغط، من بينها عقود بقيمة 40 ألف دولار شهرياً، وأخرى تصل إلى 60 ألف دولار شهرياً، أي ما يعادل 720 ألف دولار سنوياً.

هذه الأرقام، رغم ضخامتها، لا تمثل سوى الجزء الظاهر من الفاتورة. فصناعة الضغط السياسي في واشنطن معروفة بتكاليفها المرتفعة، التي تشمل:

ضرائب ورسوم قانونية

أتعاب مستشارين وخبراء

إعداد دراسات وتقارير

تنسيق إعلامي واتصالات

نفقات سفر واجتماعات

وبالتالي، فإن ما يُنفق فعلياً قد يتجاوز بكثير ما هو منشور، في ما يصفه مراقبون بـ**“أموال الظل”** التي لا تظهر في العقود الأساسية.

 دبلوماسية بلا نتائج… لقاءات بلا أثر

رغم الجهود التي قادها أمجد فريد في واشنطن، فإن طبيعة اللقاءات التي أجراها تكشف محدودية التأثير. فقد شملت لقاءات مع بعض أعضاء الكونغرس مثل ريتش مكورميك، وفرق عمل لسيناتورات، إضافة إلى نواب آخرين.

لكن هذه اللقاءات – بحسب متابعين – لم تصل إلى مراكز القرار التنفيذي الحقيقي، التي تحدد السياسة الخارجية الأمريكية وتدير ملفات العقوبات.

الأكثر دلالة أن صفحات بعض المسؤولين  الأمريكيين الذين التقاهم فريد لم تُشر أصلاً إلى هذه اللقاءات، ما يعكس أنها كانت جلسات استماع عابرة، لا تمثل تفاعلاً سياسياً جاداً.

شروط البرهان… العقبة التي نسفت الجهود

يُجمع مراقبون على أن السبب الرئيسي لفشل هذه التحركات لا يعود فقط إلى ضعف أدوات الضغط، بل إلى مواقف القيادة العسكرية نفسها.

فإصرار قائد الجيش على شروط مسبقة للتفاوض، أبرزها انسحاب الطرف الآخر قبل أي هدنة، جعل من الصعب تسويق أي مبادرة سياسية في الخارج.

كما أن رفض وقف إطلاق النار دون شروط مسبقة وضع السلطة في موقع الطرف المعرقل، وهو ما انعكس في مواقف واشنطن التي دعت إلى هدنة فورية دون شروط.

وهكذا، تحولت دبلوماسية فريد إلى خطاب بلا سند واقعي، يعجز عن إقناع الخارج في ظل تناقض المواقف على الأرض

 محاولة تجميل الصورة… وواقع يفضحها

سعت هذه التحركات إلى إعادة صياغة صورة السلطة في الخارج، وتقديمها كشريك يمكن التعامل معه، إلا أن هذا المسعى اصطدم بواقع مغاير تماماً.

فالتقارير الدولية تتحدث عن:

استمرار الحرب واتساعها

تفاقم الأزمة الإنسانية

تعثر الانتقال المدني

ارتباطات مع قوى سياسية مثيرة للجدل

وفي ظل هذا الواقع، تبدو أي محاولة لتحسين الصورة عبر شركات الضغط محدودة الأثر، لأن الصورة الذهنية تُبنى بالوقائع لا بالرسائل.

 العقوبات الأمريكية… رسائل معاكسة

في مفارقة لافتة، جاءت هذه التحركات بالتزامن مع إجراءات أمريكية ضاغطة، شملت عقوبات ورسائل سياسية حادة تجاه أطراف النزاع.

هذا التزامن يكشف أن واشنطن تفصل بين الاستماع إلى اللوبيات وبين تقييمها للواقع، حيث تبني قراراتها على تقارير استخباراتية وميدانية أوسع.

وبالتالي، فإن الأموال التي تُنفق على الضغط السياسي لم تنجح في تغيير الاتجاه العام للسياسة الأمريكية، بل بقيت تأثيراتها محدودة في أفضل الأحوال.

النفوذ لا يُشترى… وحدود المال في السياسة

في النظام السياسي الأمريكي، لا يكفي المال وحده لصناعة النفوذ. فصانع القرار ينظر إلى عوامل متعددة، منها:

الاستقرار السياسي

سجل حقوق الإنسان

مصداقية الشريك

القدرة على تنفيذ الالتزامات

ولهذا، فإن أي سلطة تواجه أزمة شرعية وتناقضات داخلية، لن تتمكن من تحويل عقود الضغط إلى مكاسب استراتيجية حقيقية.

قد تُحسن هذه العقود اللغة الدبلوماسية، لكنها لا تستطيع صناعة واقع جديد أو تغيير موازين القوى.

 من يدفع الثمن؟

في النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً أن هذه الأموال تُدفع من موارد دولة تعاني من:

انهيار اقتصادي

تدهور الخدمات الأساسية

أزمة إنسانية خانقة

وهنا يبرز السؤال الأخلاقي:

هل الأولوية لمكاتب الضغط في واشنطن، أم للمستشفيات والتعليم والإغاثة داخل السودان؟

بالنسبة لكثير من السودانيين، تبدو الإجابة واضحة، لكن السياسات على الأرض تسير في اتجاه معاكس.

دبلوماسية بلا جذور… ونتائج بلا أثر

تكشف تجربة تحركات أمجد فريد أن المشكلة ليست في ضعف الحركة، بل في غياب الأساس السياسي الذي تستند إليه هذه الحركة.

فالدبلوماسية لا يمكن أن تنجح إذا لم تكن مدعومة بتحولات حقيقية في الداخل.

ولا يمكن لأي جهد خارجي، مهما كان منسقاً، أن يعوض:

حرباً مستمرة

انسداداً سياسياً

أزمة شرعية

لذلك، فإن ما جرى لم يكن سوى محاولة لكسب الوقت، لا لحل الأزمة.

فاللقاءات لم تُنهِ عزلة، والعقود لم تُنتج نفوذاً، والتحركات لم تحصد سوى المزيد من الخيبات.

وفي النهاية، يبقى الدرس الأوضح:

لا يمكن إصلاح صورة دولة في الخارج… بينما واقعها في الداخل ينهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!