
التوم الضي أزرق
تلاشى شعار “بل بس”، الذي ظل يُستخدم لفترة طويلة كأداة للتعبئة والتحريض، واختفى صداه تدريجياً تحت ضغط التحولات الميدانية والسياسية التي أعادت تشكيل المشهد العام في السودان. هذا الشعار، الذي كان يمثل خطاباً تعبوياً حاداً، فقد تأثيره مع تراجع البيئة التي غذّته، ومع انكشاف محدودية قدرته على الاستمرار في ظل واقع متغير لا يستجيب لخطابات التصعيد. ومع هذا الانحسار، خفتت أصوات المنابر التي روجت لخطاب التخويف والاستقطاب، وتراجعت حدة الخطاب السياسي القائم على الشعارات، في وقت أثبتت فيه التجارب أن إرادة الشعوب تتفوق على أدوات القمع والدعاية، وأن الوعي العام بات أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب الحقيقي والدعائي.
ارتبط تاريخ الحركة الإسلامية بمحطات متكررة من الأزمات والتوترات التي انعكست بشكل مباشر على بنية الدولة السودانية ومؤسساتها. ولم تقتصر آثار تلك التجارب على الجانب السياسي فقط، بل امتدت إلى تعقيد الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، بما في ذلك تقييد وصول المساعدات وتعطيل الخدمات الأساسية. كما ظل العنف والصراعات حاضرين في هذه التجارب، الأمر الذي أضعف فرص بناء بيئة مستقرة تقوم على الأمن والسلام والتنمية المستدامة، ورسّخ حالة من عدم الثقة بين الدولة والمجتمع.
ورغم الجهود الدولية والإقليمية الداعمة لعملية انتقال سياسي شامل يُنهي النزاع ويؤسس لحكم مدني، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى قيادة عبد الفتاح البرهان بسبب عدم إحراز تقدم ملموس نحو تحقيق السلام. وتشير معطيات المرحلة المرتبطة بالحركة الإسلامية في بورتسودان إلى اتهامات بالتورط في أعمال عنف ورفض مبادرات التسوية، وهو ما ساهم في تعقيد المشهد السياسي والأمني وإطالة أمد الأزمة، فضلاً عن إضعاف فرص الوصول إلى حلول توافقية تضمن استقرار البلاد وتحد من معاناة المواطنين.
وشهدت تسعينيات القرن الماضي استضافة السودان لعدد من الشخصيات المرتبطة بجماعات متشددة، من بينهم أسامة بن لادن، إضافة إلى عناصر أخرى، وهو ما أسهم في توجيه اتهامات دولية للسودان في سياق أحداث مثل تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، وكذلك تفجير المدمرة الأمريكية “كول”. وقد أدى ذلك إلى إدراج السودان على قوائم الإرهاب لسنوات طويلة، مع ما ترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية عميقة أثّرت بشكل مباشر على البنية التحتية ومعيشة المواطنين، وفاقمت من عزلته الدولية.
وتشير هذه المعطيات إلى أن إرث السياسات السابقة ما زال يلقي بظلاله على الواقع الراهن، في وقت تتزايد فيه الدعوات لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تقوم على الشفافية وسيادة القانون، وتغليب المصلحة الوطنية، بما يفتح الباب أمام استقرار حقيقي ومستدام، ويعيد للسودان فرصته في التعافي السياسي والاقتصادي، بعيداً عن دوائر الصراع وخطابات التحريض التي أثبتت فشلها.




