رأي

نصر الدين محمد عبد الرحيم: رحيل الفارس الذي رفض أن يلطخ بدلة القانون بدم السودانيين

أدهم الضهيب

 

أدهم الضهيب 

تمر علينا اليوم 3/ مايو 2026 الذكرى الأليمة لرحيل الفريق شرطة نصر الدين محمد عبد الرحيم، نائب مدير عام الشرطة السودانية، الذي غُدر به وهو في قمة عطائه، واقفا بين جنوده، متمسكاً بشرف المهنة في زمن عزّ فيه الشرفاء. لم يكن نصر الدين مجرد رتبة عسكرية رفيعة، بل كان صوتاً للعقل في غابة من البنادق، ورجلاً أبى أن يبيع عقيدته الشرطية في أسواق السياسة الرخيصة.

منذ بداياته، لم يكن نصر الدين ضابطاً عادياً؛ فقد صال وجال في ربوع السودان، من حلاله إلى مدنه، تاركاً في كل موقع بصمة من الكفاءة والنزاهة. شهدت له ميادين التدريب والدورات الحتمية والمتقدمة بالتفوق الكاسح على أقرانه، ليس بالمحسوبية، بل بالهمة والعزيمة التي لا تلين. كان نموذجاً للشرطي الذي يفهم أن مهمته هي خدمة الشعب وليست حماية الكراسي.

حينما قرعت طبول حرب 15 أبريل المشؤومة، لم ينجرف الفريق نصر الدين مع تيار الجنون. كان يدرك بعين الخبير وعقل الوطني حجم الكارثة التي ستطال البلاد.

بح صوته وهو يحذر من مخاطر الانزلاق نحو الصدام المسلح.

اتخذ موقفاً تاريخياً وشجاعاً برفضه القاطع لدفع قوات الشرطة في معترك حرب لا ناقة للمواطن فيها ولا جمل.

رغم علمه التام بمخططات الجبهة الإسلامية لجر البلاد إلى الهاوية عبر صدام مدمر، وقف سداً منيعاً ضد محاولات تسييس الجهاز الشرطي، وظل ينادي بوقف نزيف الدم وحماية ممتلكات الشعب التي أصبحت نهباً للجميع.

لأن الشجر المثمر هو الذي يُرشق بالحجارة، ولأن المواقف المبدئية تزعج تجار الحروب، تم الغدر بالفريق نصر الدين وهو بين جنوده. غدراً لأنه رفض أن يكون أداة في يد تنظيم لا يبالي بمصير الأمة، ولأنه اختار الانحياز للوطن في لحظة اختار فيها الآخرون الانحياز للمصالح الضيقة.

بعيداً عن صرامة البدلة الرسمية، كان الشهيد نصر الدين “ود بلد” بامتياز. عرفه أهل السودان بصاحب المسيرة المشرفة والخلق الرفيع.

كان بيته مفتوحاً ليل نهار، لا يرد سائلاً ولا يوصد باباً في وجه محتاج.

ملك قلوب مرؤوسيه قبل رؤسائه بفيض من الود والتقدير.

“إن فقد الفريق نصر الدين ليس فقداً لأسرته أو لجهاز الشرطة فحسب، بل هو ثلمة في جدار الوطن، وخسارة لرجل كان يمثل صمام أمان مهني وأخلاقي في أحلك الظروف.”

في ذكراه اليوم، لا نبكيه فحسب، بل نستلهم من ثباته معنى أن يكون المرء وفياً للقسم الذي أداه. رحل نصر الدين وبقي أثره، بقيت كلماته الرافضة للحرب، وبقي دمه شاهداً على غدر الطغمة التي لا تعرف قيمة للحياة.

سلامٌ على روحك في الخالدين، وعهداً بأن تظل مبادئك التي قضيت من أجلها مشعلاً ينير طريق الثورة والعدالة والحرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!