القِصَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لِتَسْرِيباتِ مُجاهِدٍ بَشْرِيّ

د.خالد عبيد ،، لندن
كعهدنا بما يُعرف بـ«دويلة 56»، تتكرر محاولات صناعة بطولاتٍ افتراضية، وتُنسج روايات انتصار لم يُبذل في سبيلها جهدٌ حقيقي، مع الإصرار على إعادة تشكيل وقائع التاريخ والواقع بما يخدم سرديات لا تستند إلى حقائق ثابتة.
ما جرى الترويج له خلال الأيام الماضية باعتباره إنجازًا استخباراتيًا واختراقًا أمنيًا داخل قوات الدعم السريع، لا يعدو ــ في تقديري ــ كونه انتصارًا إعلاميًا مُتخيّلًا، يفتقر إلى الأسس الموضوعية التي تمنحه صفة الإنجاز الحقيقي.
وقد احتفى عدد من المتابعين والمهتمين بالشأن السوداني بالتصريحات المنسوبة إلى «السافنا» والتي نُشرت عبر صفحة الناشط مجاهد بشري، غير أن كثيرين لم يتوقفوا عند التفاصيل الكامنة خلف المشهد، أو يحاولوا قراءة ما وراء النصوص والوقائع المتداولة.
ومن خلال متابعتي الشخصية لمسار التسريبات المتعاقبة منذ بداية ما يمكن وصفه بـ«سيناريو التسريبات لمجاهد بشري »، تبلورت لديّ قناعة بأن الناشط مجاهد بشري تربطه صلات وثيقة بجهاز الأمن والمخابرات السوداني، بغض النظر عمّا يعلنه أو ينفيه في هذا الشأن.
وبحسب هذا التقدير، فإن طبيعة هذه المواد المسربة، وتوقيت نشرها، والسياقات التي تظهر فيها، تشير إلى أنها لا تخرج عن إطار أهداف أمنية محددة، تُدار بعناية وتُنشر وفق حسابات زمنية دقيقة، بما يخدم غايات تتجاوز مجرد النشر الإعلامي أو التداول العام للمعلومات
لم تتمكن المخابرات السودانية من اختراق قوات الدعم السريع، ولم تحقق انتصارًا يُذكر في هذا الملف.
نعم، لقد خان السافنا دماء أهله ودماء الأشاوس والثوار، وليس ذلك لأنه رجل يفتقر إلى الروح الثورية أو لأنه لم يكن يومًا منحازًا لقضيته، وإنما لأن الطمع حين يتجاوز حدوده قد يعمي البصيرة ويقود صاحبه إلى طرق لا عودة منها.
ومن الموروثات التي تناقلها الأجداد أن الطموح والسعي وراء المكاسب من صفات الرجال(( الطمع للرجال ))، لكن السافنا لم يميّز بين الطموح المشروع وبين خيانة الدم والعهد، فاختلطت عليه المسارات حتى أدار ظهره لـ((اللنقي))، وسار في طريق قاده إلى مصير مختلف عما كان يُنتظر منه.
وبحسب الرواية المتداولة، فإن المخابرات السعودية هي التي بادرت بالتواصل مع السافنا، واستثمرت نقطة ضعفه المتمثلة في الطمع، حتى وقع في فخٍّ أُحكمت تفاصيله بعناية، ضمن تقديرات وحسابات يضيق المجال عن الخوض فيها الآن. ووفق هذا التصور، فإن الجهد الأساسي والتحرك المحوري في القضية كان صناعة استخباراتية سعوديه متكاملة.
أما ((أولاد العزبة))، في إشارة إلى ((المخابرات السودانية))، فقد كانوا حاضرين أثناء اكتمال المشهد وإغلاق تفاصيل الصفقة، غير أن حالة الاحتفاء والاهتمام الذي حظي به السافنا من الجانب السعودي لم ترق لهم، بل دفعتهم إلى الشعور بتهديد وجودي واحتمال تبدل موازين التأثير والنفوذ.
ومن هنا ــ وفق ذات الرواية ــ تحركت المخابرات السودانية، أو ((أولاد العزبة))، لتسريب التسجيل إلى مجاهد بشري بغرض نشره، باعتباره خطوة ضرورية لقطع الطريق أمام أي تقارب محتمل بين السافنا والسعودية، ولإعادة خلط الأوراق قبل أن تتغير المعادلة.
وهكذا وجد السافنا نفسه واقعًا بين فكي الرَّحى؛ بين حسابات المصالح، وضغوط الأطراف المتصارعة، وبين طموح شخصي تجاوز حدوده حتى قاده إلى منطقة شديدة التعقيد.
السافنا وهو يودع أسرته، ويتركها أمانة في يد القائد، كان يبعث ــ عبرهم ــ برسالة ضمنيه إلى القائد محمد حمدان، مفادها أن موفد القائد ينبغي أن يجلس مع أسرة السافنا، «ابن عمك لحن ليه، والغريب بين ليه»؛
وأظن أسرة السافنا لديها ما تحكيه للقائد محمد حمدان.
خالد عبيد
لندن




