رأي

مقترح السلام الأمريكي ومستقبل الاستقرار المدني في السودان

دكتور تيسير مصطفي

 

دكتور تيسير مصطفي 

توطئة

السودان عند نقطة تحول: تأملات حول مقترح السلام الناشئ في الكونغرس الأمريكي وخارطة طريق لحماية المدنيين، والمناطق الخضراء، والاستقرار طويل الأمد بقيادة المدنيين

من إدارة الصراع، واقتصاد الحرب، والسياسات القائمة على الاستخراج، إلى التنمية المتمحورة حول الإنسان، والاستقرار الإقليمي، والسلام المستدام

١.المقدمة

تطور الصراع المستمر في السودان ليصبح إحدى أشد الأزمات الإنسانية خطورة في العالم. فقد نزح ملايين السودانيين، وتعرضت البنية التحتية الحيوية لأضرار جسيمة، ولا يزال الوصول إلى الغذاء والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية مقيدًا في أجزاء واسعة من البلاد.

إلا أن الكارثة الإنسانية وحدها لا تفسر الاهتمام المتزايد لدى صناع السياسات الدوليين باستكشاف مقاربات جديدة تجاه السودان.

فمع استمرار الحرب عامًا بعد عام، ظهرت طبقات إضافية من التعقيد جعلت الآليات الإنسانية والدبلوماسية التقليدية أكثر صعوبة في التطبيق. فما بدأ كصراع عسكري تطور إلى بيئة شديدة التشظي تضم سلطات متنافسة متعددة، وأنظمة إدارية متداخلة، ومصالح اقتصادية، وأطرافًا خارجية، وهياكل سلطة محلية.

ومن أبرز التحديات تزايد عسكرة الوصول الإنساني. فقد فرضت جهات مسلحة وسلطات مختلفة تسيطر على الأراضي قيودًا وشروطًا ومتطلبات إدارية وتدابير أمنية تؤثر على حركة المساعدات والعاملين الإنسانيين والإمدادات الإغاثية. وبينما قد تبرر كل جهة هذه الإجراءات باعتبارات أمنية أو سياسية أو سيادية، فإن الأثر التراكمي لذلك كان جعل إيصال المساعدات الإنسانية أكثر صعوبة.

وتشمل التحديات الإضافية العوائق البيروقراطية التي تواجه العاملين في المجال الإنساني، وتأخر إصدار التأشيرات، وقيود الحركة بين المناطق الخاضعة لسيطرة الأطراف المختلفة، وتعدد الأطر التنظيمية المتنافسة، وتزايد انعدام الثقة بين الأطراف المعنية بعمليات الإغاثة. وغالبًا ما تجد المنظمات الإنسانية نفسها مضطرة للتعامل مع طبقات متعددة من التصاريح والموافقات قبل أن تصل المساعدات إلى المحتاجين. كما أن بعض العاملين الإنسانيين أنفسهم وقعوا ضحايا لنيران الحرب.

وفي الوقت ذاته، أدى طول أمد الصراع إلى نشوء مجموعة من أصحاب المصالح الذين قد لا تتوافق مصالحهم دائمًا مع إنهاء الأزمة بسرعة. فالمستفيدون اقتصاديًا من الحرب، وبعض الفاعلين السياسيين، والجماعات المسلحة، والمصالح الإقليمية، والشبكات المختلفة العاملة داخل السودان وخارجه، أصبحوا جزءًا من منظومة صراع معقدة قد تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في إطالة أمد عدم الاستقرار.

ولعل الأكثر إثارة للقلق هو أن التشظي لم يعد مقتصرًا على المجال العسكري. فالانقسامات السياسية، والهياكل المدنية المتنافسة، والخلافات بين المجتمعات التي تعيش تحت سلطات مختلفة، زادت من تعقيد الجهود الرامية إلى إنشاء آليات موحدة للعمل الإنساني والحكم.

وعند النظر إلى هذه الوقائع مجتمعة، يتضح أن المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع نزاع مسلح تقليدي فحسب، بل مع أزمة متعددة الأبعاد أصبحت فيها قضايا الوصول الإنساني، والحكم، والأمن، وحماية المدنيين مترابطة بشكل عميق.

وفي هذا السياق يجب فهم النقاشات الأخيرة داخل الكونغرس الأمريكي. فالتعقيد المتزايد للأزمة السودانية قد يدفع صناع القرار إلى الاستنتاج بأن هناك حاجة إلى إجراءات استثنائية، ليس لتعزيز مصالح طرف على حساب آخر، بل لتقليل معاناة المدنيين وإنشاء آليات للوصول الإنساني أقل تأثرًا بديناميكيات الصراع نفسه.

وفي هذا الإطار، قد تمثل المناقشات الأخيرة داخل الكونغرس الأمريكي بشأن السودان تحولًا مهمًا في التفكير الدولي. فالتقارير التي تشير إلى دراسة إجراءات تتعلق بشرعية السلطات الحاكمة، وفرض عقوبات على أطراف مسلحة، وتوسيع آليات حماية المدنيين، تعكس قلقًا متزايدًا من أن المقاربات الحالية لم تعد كافية لمعالجة معاناة المدنيين.

وبغض النظر عن الشكل النهائي لأي تشريع محتمل، فإن النقاش نفسه يثير تساؤلات مهمة حول الشرعية، والوصول الإنساني، ومسؤوليات المجتمع الدولي عندما يجد المدنيون أنفسهم عالقين بين سلطات عسكرية متنافسة.

٢.حدود الدبلوماسية القائمة على الاعتراف

تعتمد الدبلوماسية الدولية تقليديًا على التعامل مع الحكومات المعترف بها بوصفها الممثل الرئيسي للدول ذات السيادة.

وفي الظروف الطبيعية، يوفر هذا النهج قدرًا من الوضوح والاستقرار. إلا أن الحروب الأهلية تخلق واقعًا أكثر تعقيدًا. فعندما تكون السلطات الحاكمة طرفًا مباشرًا في الصراع، تبرز تساؤلات حول كيفية إدارة العمليات الإنسانية ومفاوضات السلام وحماية المدنيين بطريقة محايدة.

ويجسد السودان هذا التحدي بوضوح.

فالصراع لم يعد مجرد مواجهة بين قوتين عسكريتين ولكنه أصبح بيئة متشظية تضم جهات مسلحة متعددة، وسلطات محلية، وحركات سياسية، وهياكل قبلية، ومنظمات إنسانية، وأطرافًا خارجية.

ومع استمرار الحرب، واجهت الجهات الدولية أسئلة عملية متزايدة حول كيفية إيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين عندما تكون طرق الوصول، والتصاريح الإدارية، والسيطرة على الأراضي مرتبطة بالواقع العسكري.

ومن ثم، قد تعكس مناقشات الكونغرس إعادة تقييم أوسع لما إذا كانت أطر الاعتراف التقليدية وحدها كافية لمعالجة الأزمة الإنسانية في السودان.

٣.ما بعد الاعتراف: القضية الحقيقية هي الوصول الإنساني

إن القضية المركزية التي تواجه السودانيين اليوم تتمثل في الوصول الإنساني وأوضاع النازحين واللاجئين داخل السودان وخارجه، وليس فقط مسألة الشرعية السياسية.

فخلال النزاع، فرضت سلطات مختلفة تسيطر على مناطق متعددة قيودًا ومتطلبات إدارية وشروطًا أمنية وحدودًا تشغيلية على الجهات الإنسانية. وقدمت كل جهة مبرراتها الخاصة، مستندة إلى اعتبارات أمنية أو سيادية أو مخاوف من استغلال المساعدات لأغراض عسكرية.

لكن، بغض النظر عن النوايا، فإن النتيجة التراكمية كانت معاناة هائلة للمدنيين.

لقد أصبحت المساعدات الإنسانية مرتبطة بشكل متزايد بواقع الحرب.

فالإمدادات الغذائية، والمساعدات الطبية، والوقود، وممرات النقل، وعمليات الإغاثة، أصبحت تعتمد غالبًا على تصاريح تمنحها سلطات هي نفسها أطراف في النزاع. ونتيجة لذلك، أصبحت عمليات الإغاثة عرضة للحسابات العسكرية والاعتبارات السياسية وتغيرات ساحة المعركة.

وهذا الواقع يؤثر على المدنيين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو هوياتهم العرقية أو مواقعهم الجغرافية أو علاقتهم بأي طرف مسلح.

ومن هذا المنظور، قد لا تكمن أهمية المبادرة المطروحة في الكونغرس في دعم طرف على حساب آخر، بل في التعبير عن قلق متزايد من أن المساعدات الإنسانية لا ينبغي أن تظل رهينة لقرارات الأطراف المتحاربة إذا كان الهدف هو الحد من معاناة المدنيين.

وقد يمثل هذا النقاش محاولة للانتقال من نهج يتمحور حول المتحاربين إلى نهج يتمحور حول المدنيين، حيث يصبح الوصول الإنساني هو الهدف الأساسي.

٤.ما الذي قد يشير إليه مقترح الكونغرس؟

رغم أنه من المبكر التنبؤ بنتائج المداولات الجارية، فإن مجرد طرح هذه المناقشات قد يشير إلى عدد من الاتجاهات الناشئة في التفكير الدولي.

أولًا، هناك اعتراف متزايد بأن الأزمة الإنسانية لا يمكن فصلها عن قضايا الوصول والحماية.

ثانيًا، قد يكون صناع السياسات قد أدركوا أن الاعتماد المطول على الآليات الحالية لم يؤدِّ إلى تحسينات كافية في حياة المواطنين السودانيين.

ثالثًا، يبدو أن هناك اهتمامًا متزايدًا باستكشاف أطر بديلة تعطي الأولوية للنتائج الإنسانية بدلاً من الاعتبارات العسكرية أو السياسية وحدها.

ولا يعني ذلك بالضرورة دعم أي طرف بعينه، بل قد يعكس حالة من الإحباط إزاء استمرار معاناة المدنيين بينما تبقى العمليات الإنسانية مقيدة بواقع الصراع.

الآثار المحتملة على السياسات الدولية

إذا اكتسبت المبادرة زخمًا، فقد تؤثر على النقاشات الدولية الأوسع حول كيفية إيصال المساعدات الإنسانية في مناطق النزاع النشطة.

وقد تشمل مجالات النقاش:

• توسيع الممرات الإنسانية.

• إنشاء طرق مساعدات تخضع لمراقبة دولية.

• تعزيز اتفاقيات الوصول الإنساني.

• آليات مستقلة للرصد والتحقق.

• تنسيق أكبر بين وكالات الإغاثة الدولية.

• مبادرات لحماية المدنيين.

• أطر جديدة للتعامل مع المجتمعات المحلية والجهات المدنية.

• إنشاء مناطق خضراء آمنة.

ومن المهم التأكيد أن هذه المناقشات لا تتعلق بالضرورة بتحديد الجهة العسكرية التي ينبغي أن تحكم السودان، بل بالحد من معاناة المدنيين وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للسلام المستدام.

مسؤولية الحماية والنقاشات المستقبلية

قد تسهم مناقشات الكونغرس أيضًا في تعزيز النقاشات حول مسؤولية المجتمع الدولي تجاه السكان المدنيين.

وقد تم تطوير مبدأ “مسؤولية الحماية” (R2P) لمعالجة الحالات التي تتعرض فيها الشعوب لمخاطر جسيمة وتعجز الآليات القائمة عن توفير الحماية الكافية لها.

ويبقى من غير المؤكد ما إذا كان السودان سيصبح موضوعًا لنقاشات رسمية ضمن هذا الإطار، إذ تتطلب مثل هذه الخطوات توافقًا سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا واسعًا.

ومع ذلك، فإن التركيز المتزايد على حماية المدنيين والوصول الإنساني والمساءلة قد يدفع إلى دراسة آليات دولية إضافية إذا استمرت المقاربات الحالية في الإخفاق.

والنقطة الأساسية هي أن النقاش الدولي بدأ يتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية.

من المنافسة العسكرية إلى حماية المدنيين

لعل أهم ما يميز هذا التحول هو انتقال التركيز التدريجي من الأطراف العسكرية إلى المدنيين.

فبعد سنوات من النقاشات التي تركزت حول السيطرة على الأراضي والاعتراف السياسي والتنافس على السلطة، بدأ صناع القرار يطرحون سؤالًا مختلفًا:

كيف يمكن حماية المدنيين السودانيين بغض النظر عن الطرف العسكري الذي يسيطر على منطقة معينة؟

ويمثل هذا تحولًا مفاهيميًا مهمًا.

فالنهج المتمحور حول المدنيين يضع الوصول الإنساني، والمرونة المجتمعية، والحكم المدني، وحماية المجتمعات، وإعادة الإعمار، والاستقرار طويل الأمد في قلب النقاشات السياسية، بدلاً من المنافسة العسكرية.

وقد يكون هذا النهج أكثر ارتباطًا بالواقع اليومي الذي يعيشه ملايين السودانيين.

٥.من الحماية الإنسانية إلى الاستقرار بقيادة المدنيين

بينما لا تزال معظم النقاشات الدولية حول السودان تركز على التفاوض بين الأطراف العسكرية والنخب السياسية، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة يثير سؤالًا أوسع:

ماذا لو انتقل مركز الثقل في عملية الاستقرار من الأقلية المتحاربة إلى الأغلبية المدنية؟

لقد نزح ملايين السودانيين داخليًا وخارجيًا، ودُمرت مصادر رزقهم، واقتُلعت مجتمعات بأكملها من جذورها. ومع ذلك، ما زال المدنيون، رغم كونهم الأغلبية الساحقة، مجرد متفرجين على النقاشات المتعلقة بمستقبلهم.

وهذا الواقع يفرض الحاجة إلى مقاربات مكملة تعمل بالتوازي مع مفاوضات السلام التقليدية.

ومن بين هذه المقاربات مفهوم المناطق الإنسانية والتنموية الخاضعة للإدارة المدنية (المناطق الخضراء)، التي يمكن إنشاؤها في المناطق غير المتأثرة مباشرة بالنزاع لتكون مراكز لحماية المدنيين والوصول الإنساني والتعافي الاقتصادي والحكم المجتمعي.

وتجعل جغرافيا السودان هذا المفهوم ذا أهمية خاصة. فالسودان بلد قاري الحجم، ورغم أن الحرب تؤثر على مناطق واسعة، إلا أن هناك مناطق لا تزال تمتلك إمكانات لتكون مراكز للحماية المدنية وإعادة الإعمار والاستثمار والتنمية.

وليس الهدف من هذه المناطق تقسيم السودان أو إنشاء كيانات بديلة، بل توفير بيئات آمنة تسمح للمدنيين بإعادة بناء حياتهم بينما تستمر معالجة النزاعات السياسية والعسكرية عبر التفاوض.

٦.مقاربة المسار 1.5 لمستقبل السودان

تسلط الأزمة السودانية الضوء أيضًا على حدود النماذج الدبلوماسية التقليدية.

فغالبًا ما تركز عمليات السلام التقليدية بصورة أساسية على القادة العسكريين والأحزاب السياسية والنخب القائمة. ورغم أهمية هذه الأطراف، فإن أعدادًا متزايدة من السودانيين بدأت تتساءل عما إذا كانت المؤسسات والهياكل السياسية نفسها التي عجزت عن تحقيق الاستقرار قبل الحرب قادرة وحدها على تقديم الحلول بعد الحرب.

وهذا يخلق فرصة لتعزيز ما يُعرف بمقاربة المسار 1.5 (Track 1.5).

تجمع دبلوماسية المسار 1.5 بين الانخراط الرسمي ومشاركة حقيقية وفاعلة من المجتمع المدني، والمهنيين، وقيادات الأعمال، والأكاديميين، والشباب، والزعماء القبليين، والنساء، والنازحين، وغيرهم من الفاعلين غير الحكوميين.

وتقوم هذه المقاربة على الاعتراف بأن الشرعية لا تنبع فقط من القوة العسكرية أو المنصب السياسي، بل تنبع أيضًا من المجتمعات نفسها.

ومن شأن إطار تشاوري يتمحور حول المدنيين أن يسمح للمواطنين السودانيين بالمساهمة بصورة مباشرة في النقاشات المتعلقة بالحكم، والتنمية الاقتصادية، وأولويات إعادة الإعمار، والوصول الإنساني، والترتيبات الفيدرالية، وإدارة الموارد، والرؤية الوطنية طويلة المدى.

وبدلاً من الاقتصار على سؤال: كيف يمكن للأطراف العسكرية أن توقف القتال؟

يمكن للمجتمع الدولي أيضًا أن يسأل:

كيف يرغب المدنيون السودانيون في العيش والحكم وبناء مستقبلهم؟

٧.البناء أثناء التفاوض

يتمثل أحد أكبر المخاطر التي تواجه السودان في الافتراض بأن إعادة الإعمار يجب أن تنتظر التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

إلا أن التجارب التاريخية تشير إلى خلاف ذلك.

فقد أثبتت العديد من النزاعات حول العالم أن التنمية، والحكم المحلي، والتعافي الاقتصادي، وبناء المؤسسات يمكن أن تبدأ قبل التوصل إلى اتفاقات سياسية نهائية.

وبالنسبة للسودان، قد يمثل ذلك فرصة استراتيجية مهمة.

فبدلاً من ترك ملايين المدنيين عالقين في أوضاع النزوح بينما تستمر المفاوضات إلى أجل غير معلوم، يمكن للمناطق المدنية المحمية وممرات التنمية أن تتحول إلى مختبرات للاستقرار، تُظهر بدائل عملية للصراع.

ومن هذا المنطلق، لا يتمثل الهدف في إنهاء الحرب فحسب.

بل يتمثل في البدء في بناء السلام قبل أن تنتهي الحرب بالكامل.

وفي نهاية المطاف، لن يُقاس النجاح بالطرف العسكري الذي ينتصر، بل بمدى قدرة المدنيين السودانيين على استعادة الأمن والكرامة والفرص وصوتهم الحقيقي في رسم مستقبل بلادهم.

٨.ما بعد الاستخراج: لماذا أصبحت المقاربات القديمة تجاه السودان غير مستدامة؟

ينبغي ألا تقتصر النقاشات المتعلقة بمستقبل السودان على إنهاء النزاع الحالي فقط، بل يجب أن تمتد إلى مراجعة الافتراضات الاقتصادية والجيوسياسية التي شكلت طبيعة التعامل مع السودان لعقود طويلة.

فقد اجتذبت الموارد الطبيعية الهائلة للسودان، وموقعه الاستراتيجي، وإمكاناته الزراعية، وثرواته المعدنية، وإطلالته على البحر الأحمر، اهتمامًا إقليميًا ودوليًا مستمرًا.

إلا أن أعدادًا متزايدة من السودانيين بدأت تتساءل عما إذا كانت النماذج التقليدية للتعامل مع السودان قد حققت فوائد كافية للسكان المحليين.

وفي مختلف أنحاء أفريقيا والعديد من المناطق النامية، يتزايد التدقيق الشعبي تجاه الترتيبات التي يُنظر إليها على أنها تعطي الأولوية لاستخراج الموارد على حساب التنمية طويلة المدى، وخلق القيمة المحلية، وبناء المؤسسات، وتحقيق الازدهار المشترك.

وسواء نشأت هذه الترتيبات نتيجة علاقات اقتصادية غير متكافئة، أو ضعف في الحوكمة، أو تبعية سياسية، أو ديناميكيات الصراع، أو ظروف تاريخية أخرى، فإن النتيجة غالبًا ما كانت متشابهة:

ثروات طبيعية كبيرة إلى جانب استمرار عدم الاستقرار والتخلف والفقر بين أبناء الشعب السوداني.

وتكشف الحرب الحالية في السودان حدود هذا النموذج بوضوح.

فمع تراجع الحوكمة واستمرار النزاع، لم تعد التكاليف محصورة داخل حدود السودان، بل بدأت تؤثر بصورة متزايدة على التجارة الإقليمية، وأنماط الهجرة، والأنظمة الإنسانية، وثقة المستثمرين، والأوضاع الأمنية في الدول المجاورة وما بعدها.

وتتضاعف هذه المخاوف بسبب الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر.

فالبحر الأحمر يُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يربط أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.

ولذلك فإن استمرار عدم الاستقرار على سواحله الغربية يخلق مخاطر تتجاوز السودان نفسه بكثير.

وتشمل هذه المخاطر:

• تعطيل طرق التجارة والخدمات اللوجستية.

• زيادة شبكات التهريب والاتجار غير المشروع.

• نمو الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود.

• توفير فرص للجماعات المتطرفة والإرهابية لاستغلال فراغات الحوكمة.

• زيادة ضغوط الهجرة والنزوح.

• ارتفاع التكاليف الأمنية على الدول الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، تصبح حالة عدم الاستقرار نفسها أكثر تكلفة بمرور الوقت.

فما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره حالة يمكن إدارتها قد يتحول إلى تحدٍ أمني إقليمي تتجاوز تكاليفه بكثير أي فوائد اقتصادية قصيرة الأجل قد تنشأ من ضعف الحوكمة أو التشظي السياسي.

ولهذا السبب، قد يحتاج السودانيون والشركاء الدوليون على حد سواء إلى إعادة النظر في الافتراضات التي وجهت التعامل مع السودان خلال العقود الماضية.

فالتحدي الناشئ لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، بل في الانتقال من العلاقات القائمة على الاستخراج إلى شراكات قائمة على التنمية.

وهي شراكات تسعى إلى مواءمة مصالح السودان والدول المجاورة والمنظمات الإقليمية والمستثمرين والقوى الدولية حول مفهوم الازدهار المشترك بدلاً من المنافسة الصفرية.

ويتطلب هذا التحول تغييرًا من جانب السودان ومن جانب الفاعلين الخارجيين على حد سواء.

فعلى القيادات السياسية السودانية، ومنظمات المجتمع المدني، والمجتمعات المحلية، أن تتبنى نماذج جديدة للحكم الرشيد، والمساءلة، والتنمية الاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، ينبغي للشركاء الإقليميين والدوليين أن يدركوا أن الاستقرار والازدهار والأمن على المدى الطويل أكثر استدامة وأكثر فائدة للجميع من الترتيبات التي تعتمد على الأزمات المتكررة وضعف المؤسسات.

ومن ثم، فإن الخيار المطروح أمام جميع الأطراف أصبح أكثر وضوحًا من أي وقت مضى:

إما الاستمرار في إدارة عدم الاستقرار، أو البدء في الاستثمار في الاستقرار.

فالخيار الأول يكرس حالة عدم اليقين ويزيد من المخاطر الإقليمية.

أما الخيار الثاني فيفتح الباب أمام سودان أكثر ازدهارًا، يساهم في أمن وتنمية محيطه الإقليمي، بما في ذلك البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، والشرق الأوسط، ويخلق منافع متبادلة حقيقية لجميع الأطراف في إطار شراكات رابح ـ رابح.

٩.الخاتمة

ينبغي النظر إلى النقاشات الناشئة داخل الكونغرس الأمريكي بشأن السودان باعتبارها أعمق من مجرد جدل حول العقوبات أو الشرعية أو الاعتراف السياسي.

ففي جوهرها، قد تعكس هذه النقاشات قلقًا دوليًا متزايدًا من أن المقاربات الحالية لم تنجح في معالجة معاناة المدنيين بالشكل الكافي، كما تمثل فرصة لاستكشاف أساليب أكثر ابتكارًا وفاعلية في معالجة الأزمة.

وتكمن أهمية هذا النقاش في الأسئلة التي يطرحها:

كيف يمكن للمساعدات الإنسانية أن تصل إلى المدنيين دون أن تصبح رهينة للمنافسة العسكرية؟

كيف يمكن تعزيز حماية المدنيين في ظل سيطرة جهات مسلحة متعددة على أجزاء مختلفة من البلاد؟

وكيف يمكن للسياسات الدولية أن تتطور من مجرد إدارة الصراع إلى خلق الظروف اللازمة لتحقيق الاستقرار المستدام؟

ومن المرجح أن تشكل هذه الأسئلة جوهر النقاشات المستقبلية حول السودان أكثر بكثير من مصير أي فصيل أو جهة بعينها.

وفي نهاية المطاف، لن يكون معيار النجاح هو الطرف الذي يحقق مكاسب دبلوماسية أو سياسية أكبر، بل ما إذا كان الشعب السوداني قد حصل على قدر أكبر من الأمن والكرامة، وإمكانية الوصول إلى المساعدات الإنسانية التي يحتاج إليها بصورة عاجلة، وفرصة حقيقية للمشاركة في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.

إن السودان يقف اليوم عند نقطة تحول تاريخية.

والخيار لم يعد بين طرف منتصر وطرف مهزوم، بل بين استمرار دوامة الأزمات أو الانتقال إلى نموذج جديد يقوم على حماية المدنيين، والتنمية الشاملة، والشراكات المتوازنة، والسلام المستدام.

ومن هذا المنظور، قد لا تكون القضية الأساسية هي من يحكم السودان، بل كيف يمكن للسودان أن يُبنى من جديد بطريقة تخدم شعبه وتساهم في استقرار المنطقة والعالم بأسره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!