رأي

تكوين جيل السودان الجديد: رؤية متكاملة لمناهج التعليم التحررى في مرحلة الانتقال الديمقراطي.(1-3)

دكتور صابر ابوسعدية (افريكا)

 

دكتور صابر ابوسعدية (افريكا)

(المديرالتنفيذى لمركز أُوبنتو للسلام والدراسات الاستراتيجية info@ubuntupss.org, www.ubuntupss.org )

20مارس2026

مقدمة:

  عندما تنتهي الحروب عادةً، يبقى سؤالٌ واحد يعد الأصعب من بين كل الأسئلة: كيف نبني إنساناً جديداً؟ كيف نعالج جيلاً نشأ على صوت الرصاص، وكبر في ظل القهر والتهميش، ثم نطلب منه أن يكون مواطناً صالحاً في وطن جديد؟ التعليم في مرحلة ما بعد الحرب ليس مجرد عملية نقل معرفي، بل هو مشروع وجودي لإعادة تشكيل الإنسان والمجتمع والسياسة، لكن التحدي الأكبر يكمن في أن المناهج التقليدية، والرجعية التي انتجت ثقافة القهر والتهميش، إذ غالباً ما تكون تلك المناهج مستعارة من سياقات مختلفة، قد تعيد إنتاج نفس أنماط القهر والاستبعاد التي أدت إلى الحروب والتهميش المركب.

هذه الدراسة من ثلاث حلقات أعدها مركز ابنتو للسلام ودراسات الاستراتيجية، في محاولة لتقدم رؤية علمية لتأسيس مناهج تعليمية لما بعد الحرب، مستندة على أدبيات التربية في التعلم على التفكير النقدي، و غرس قيم الديمقراطية، خلق مواطنين فاعلين لا مجرد رعايا خاضعين، والتعلم على التفكير الإبداعي في حل المشكلات مع الاستعانة بنماذج ناجحة من تجارب دولية حديثة (رواندا التعليم من اجل المصالحة، جنوب افريقيا التعليم ما بعد الابارتايد، كولمبيا التعليم في خدمة السلام، وفي دولة مالي مشروع مانانكورو ) بهدف بناء جيل قادر على تجاوز إرث القهر والانطلاق نحو مستقبل أكثر عدالة وإنسانية.

نتناول في الحلقة الأولى الأسس الفلسفية لنظرية التربية التحررية للبرازيلي باولو فريرى(1921-1997) كواحدة من أكثر النظريات التربوية تأثيراً في القرن العشرين، خاصة في سياقات المجتمعات المهمشة وما بعد الصراعات.

نقطة الانطلاق الأساسية في فلسفة باولو فريري التربوية هي في تحليل عملية القهر التي يعانيها دول ما بعد الاستعمار، وإيضاح نتائجها الاجتماعية والنفسية ومحاولة اكتشاف الطريق للتغلب عليها. هذا وقد رسم باولو فريري الملامح العامة والخطوط العريضة لأفكاره التربوية والفلسفية، ومن أشهر كتبه (تعليم المقهورين، التعليم من أجل الوعي الناقد). ولقد بيّن فريري في كتبه آنفة الذكر أن القهر أو السيطرة هو السمة الرئيسة للعصر الذي نعيشه في دول ما بعد الاستعمار، ويعني فريري بالقهر ذلك النسق من المعايير والإجراءات والقواعد والقوانين التي تشكل الناس وتكيّف طبيعتهم في المقام الأول، ثم تضغط بعد ذلك على عقولهم حتى يعتقدوا أن الفقر والظلم الاجتماعي حقيقتان طبيعيتان ولا يمكن تجنبهما في الوجود الإنساني، ولا يتم ذلك إلا حينما يكون النفوذ والسلطة لدى قلة من الناس والخرافة والوهم في عقول أكثر الناس.

اما الحلقة الثانية نتناول مشروع المفكر والأديب الكيني أنغوغي وا ثيونغو الذي تحدث عن نزع استعمار العقل Decolonization of the mind)) يرى انغوغى ان الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكرى للارض، بل كان غزواً شاملاً للوعي البشرى.

المدفع يقهر الجسد، لكن المدرسة و الكتاب و اللغة يقهورون الروح و يجعلون الهيمنة دائمة، فالاستعمار حقاً يكون عندما يقتنع المقهور بأنه متخلف، وأن لغتة بدائية، وأن ثقافته لا تساوى شيئاً.

نجد كثير من المناهج في العالم العربي والأفريقي تحمل بصمات استعمارية: تاريخ يُروى من منظور المستعمر، لغة تهمش المحلية، وقيم لا تعكس المجتمع.

ونختم الحلقات بمحاولة لخلق مشروع علمي متكامل لبناء مناهج تربوية للسودان الجديد ما بعد الحرب. اولاً: تشخيص الواقع قبل بناء أي منهج، الجيل الذي عاش الحرب ليس جيلاً عادياً. إنه جيل يحمل في ذاكرته الجسدية والنفسية ما يمكن تسميته “الجرح التراكمي”. الطفل الذي تربى على أنه “مواطن درجة ثانية” أو أنه “من المنطقة المهمشة” يحمل هذا الشعور في وجدانه، فالمنهج يجب أن يتعامل مع هذه الهوية الجريحة. ثانياً: فجوات تعليمية كبيرة وانقطاع التعليم المتكرر. ثالثاً: فقدان الثقة بالمؤسسات، الطفل الذي رأى الدولة كمصدر للقمع (عبر أمن الدولة، الاعتقالات، القصف) لا يمكنه أن يثق بمدرسة تتبع لنفس الدولة. بناء الثقة هو أول مهمة تعليمية.

نظرية التحرر لباولو فريري:

في هذا الحلقة الأولى نحلل نظرية عالم الفكر التربوي باولو فريري الذي اكتسب شهرة عالمية واسعة محتلًّا بذلك مكانة مرموقة في الفكر وفلسفة التربوية. الذي استطاع أن يخرج بفكر نقدي تفاعل مع ظروف قاسية عانى منها المجتمع البرازيلي كواحدٍ من المجتمعات التي وقعت كثيراً تحت براثن الاستغلال والفقر والتبعية، فيجيء فكر أصيل يسعى إلى تغيير الواقع الاجتماعي لا ليكون مجرد نسخة مقلدة للنموذج الغربي، وإنما لتحريره وبنائه وفق احتياجاته واحتياجات الجماعة التي ينتمي إليها.

وعليه تعد نظرية التربية التحررية باولو فريري واحدة من أكثر النظريات التربوية تأثيراً في القرن العشرين، خاصة في سياقات المجتمعات المهمشة وما بعد الصراعات. استند فريري في نظريته إلى قناعة عميقة بأن “كل إنسان، مهما كان “جاهلاً” أو مغموراً في “ثقافة الصمت”، قادر على النظر إلى عالمه نظرة نقدية من خلال لقاء حواري مع الآخرين، ومتى أتيحت له الأدوات المناسبة، يمكنه أن يدرك تدريجياً واقعه الشخصي والاجتماعي ويتعامل معه بنقد.

ونواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!