هيومن رايتس ووتش: مصر تدفع اللاجئين السودانيين إلى المجهول عبر الاعتقال والترحيل القسري
التنوير : تقرير القسم السياسي

التنوير : تقرير القسم السياسي
تقرير حقوقي يكشف انتهاكات ممنهجة وفشلاً قانونياً يهدد عشرات الآلاف من طالبي اللجوء ويقوض مبدأ الحماية الدولية
كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير مطول عن ما وصفته بحملة متصاعدة من الاعتقالات التعسفية والاحتجاز غير القانوني والترحيل القسري تستهدف اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر، وفي مقدمتهم السودانيون الفارون من الحرب، محذرة من أن السياسات الحالية تدفع آلاف الأشخاص إلى دائرة من الخوف وانعدام الحماية القانونية رغم التزامات القاهرة الدولية.
وأكد التقرير أن السلطات المصرية باتت تتعامل مع انتهاء صلاحية تصاريح الإقامة باعتباره مبرراً للاعتقال والترحيل، حتى في الحالات التي يكون فيها اللاجئون مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ويحملون وثائق رسمية تثبت أوضاعهم القانونية.
بيروقراطية حكومية تحوّل الضحايا إلى متهمين
أوضحت المنظمة أن اللاجئين وطالبي اللجوء ملزمون بتجديد تصاريح إقامتهم سنوياً، إلا أن التعقيدات الإدارية والتراكم الهائل للطلبات أديا إلى منح بعض المتقدمين مواعيد تمتد حتى عام 2028.
وترى هيومن رايتس ووتش أن هذه الأزمة خلقت مفارقة قاسية، إذ يجد اللاجئون أنفسهم معرضين للاعتقال بسبب غياب وثائق لم تتمكن السلطات نفسها من إصدارها لهم في الوقت المناسب، الأمر الذي وصفته المنظمة بأنه شكل من أشكال الظلم والإجراءات التعسفية التي تنتهك أبسط معايير العدالة.
آلاف السودانيين تحت تهديد الاعتقال والترحيل
استند التقرير إلى مقابلات أجرتها المنظمة خلال شهري أبريل ومايو مع لاجئين وطالبي لجوء من السودان وجنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا.
وخلصت المنظمة إلى أن التأخير المستمر في منح أو تجديد الإقامات جعل اللاجئين عرضة للاعتقال والاحتجاز والترحيل حتى عندما يكونون مسجلين رسمياً لدى المفوضية الأممية.
وأكد التقرير أن السلطات المصرية كثفت منذ أواخر عام 2025 وخلال عام 2026 حملات الاعتقال والترحيل، مستهدفة بشكل متزايد الأشخاص الذين انتهت صلاحية إقاماتهم بسبب التأخير الإداري، وليس بسبب أي مخالفات قانونية أخرى.
خبراء أمميون يدقون ناقوس الخطر
وأشار التقرير إلى أن خبراء تابعين للأمم المتحدة أعربوا في مارس الماضي عن قلق بالغ إزاء تزايد حالات الاعتقال والترحيل، محذرين من تنفيذ عمليات إبعاد من دون إجراء تقييمات فردية للمخاطر التي قد يتعرض لها المرحّلون عند إعادتهم إلى بلدانهم.
وأكد الخبراء أن هذه الممارسات تثير مخاوف جدية بشأن انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو أحد أهم المبادئ الأساسية في القانون الدولي الخاص بحماية اللاجئين.
كما أفادت تقارير حقوقية وإعلامية بأن آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء تعرضوا للاعتقال أو الترحيل خلال عام 2026 في ظل غياب بيانات رسمية مصرية توضح حجم الظاهرة.
قانون اللجوء الجديد في مرمى الانتقادات
وجهت هيومن رايتس ووتش انتقادات حادة لقانون اللجوء المصري لعام 2024، معتبرة أنه لا يوفر الضمانات الأساسية المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية.
وأشارت إلى أن القانون لا يتضمن نصاً صريحاً يحظر الإعادة القسرية، رغم أن مصر طرف في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 واتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969 اللتين تلزمان الدول بحماية اللاجئين من الإعادة إلى مناطق الخطر.
كما رأت المنظمة أن القانون يمنح الجهات الحكومية صلاحيات واسعة قد تؤدي إلى زيادة مخاطر الاحتجاز والترحيل، مع غياب واضح للضمانات القانونية الكافية لطالبي اللجوء.
شهادات مؤلمة تكشف حجم المعاناة
سلط التقرير الضوء على شهادات شخصية تعكس الواقع اليومي الذي يعيشه اللاجئون السودانيون في مصر.
ونقل عن لاجئ سوداني يبلغ من العمر 29 عاماً قوله إنه يعيش يومياً في حالة خوف من الاعتقال أثناء تنقله، رغم امتلاكه بطاقة صادرة عن المفوضية واتباعه جميع الإجراءات المطلوبة، لكنه حصل على موعد لتجديد إقامته في عام 2027.
كما روى التقرير قصة امرأة سودانية من كردفان تبلغ من العمر 55 عاماً أوقفها أشخاص بملابس مدنية في أحد شوارع القاهرة وطالبوها بإبراز الإقامة، وعندما قدمت بطاقة المفوضية وجواز سفرها أبلغوها بأن تلك الوثائق لا تكفي وأن المطلوب هو الإقامة السارية فقط.
وتقول المنظمة إن مثل هذه الوقائع أصبحت تتكرر بصورة واسعة وسط أوساط اللاجئين السودانيين.
احتجاز قاسٍ وانتهاكات داخل مراكز التوقيف
وثقت هيومن رايتس ووتش أوضاعاً وصفتها بالمقلقة داخل أماكن الاحتجاز، حيث تحدث محتجزون سابقون عن الاكتظاظ الشديد وسوء الظروف الصحية وغياب الغذاء الكافي ومياه الشرب النظيفة.
وأشار بعض من تمت مقابلتهم إلى تعرضهم أو مشاهدتهم لحالات اعتداء جسدي داخل مراكز الاحتجاز، بينما تحدث آخرون عن ظروف معيشية قاسية تجعل الاحتجاز عقوبة إضافية فوق معاناة اللجوء نفسها.
كما نقل التقرير معلومات تفيد بوفاة عدد من طالبي اللجوء السودانيين داخل مراكز الاحتجاز المصرية خلال الأشهر الماضية، وسط اتهامات بتردي الأوضاع الإنسانية داخل تلك المراكز.
دعوات عاجلة لوقف الانتهاكات وإنقاذ الحماية القانونية
طالبت هيومن رايتس ووتش السلطات المصرية بوقف الاعتقالات التعسفية والترحيل القسري للاجئين وطالبي اللجوء، خاصة في الحالات المرتبطة فقط بانتهاء صلاحية تصاريح الإقامة بسبب التأخيرات الحكومية
كما دعت إلى تعديل قانون اللجوء ولائحته التنفيذية بما يضمن إدراج مبدأ عدم الإعادة القسرية بصورة واضحة، وإنشاء وضع قانوني مؤقت يحمي اللاجئين الذين ينتظرون مواعيد الإقامة أو البت في طلباتهم.
وحذرت المنظمة من أن المضي في تنفيذ النظام الجديد للجوء دون معالجة أوجه القصور الحالية قد يؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية، وحرمان عشرات الآلاف من اللاجئين، وعلى رأسهم السودانيون، من الحماية القانونية التي يحتاجونها بشدة في ظل استمرار النزاعات والأزمات التي أجبرتهم على الفرار من أوطانهم.




