
أدهم الضهيب
مع تصاعد أزمة توفير السيولة النقدية في الأسواق، شرعت السلطات الأمنية والجهات المختصة في الولاية في تنفيذ حملات واسعة ضد محلات تداول العملة والتحويلات المالية، أسفرت عن إغلاق عدد من المحلات واتخاذ إجراءات قانونية بحق بعض العاملين في هذا القطاع، وذلك في محاولة للحد من الارتفاع الكبير في تكلفة تحويل النقد الإلكتروني إلى سيولة نقدية، والتي وصلت إلى مستويات أثقلت كاهل المواطنين والتجار.
ورغم أن ضبط الأسواق ومواجهة الممارسات غير القانونية يمثلان مسؤولية أساسية للدولة، فإن التساؤل المشروع يبقى: هل كانت هذه الإجراءات كافية لمعالجة جذور الأزمة، أم أنها دفعت بها إلى مسارات أكثر تعقيداً؟
فالواقع يشير إلى أن إغلاق منافذ التداول لم يُنهِ الحاجة المتزايدة إلى خدمات التحويل والسيولة، بل دفع المواطنين والتجار إلى البحث عن بدائل غير معلنة، ما أدى إلى توسع التعاملات السرية وارتفاع تكلفة الخدمة، بينما بقي المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
إن أزمة النقد لا يمكن اختزالها في سلوك بعض التجار أو الوسطاء فقط، فهي في جوهرها نتيجة اختلالات أعمق ترتبط بضعف القطاع المصرفي، ونقص السيولة، وغياب البدائل الرسمية القادرة على تلبية احتياجات السوق والمواطنين. وعندما تعجز المؤسسات المالية عن توفير الخدمة المطلوبة، تنشأ قنوات موازية تفرضها الضرورة الاقتصادية والواقع اليومي.
إن التعامل مع الأزمات الاقتصادية بعقلية أمنية منفردة لم يثبت تاريخياً أنه قادر على تقديم حلول مستدامة، بل قد يؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية، من خلال دفع الأنشطة المالية إلى مساحات أكثر خفاءً، وتقليل مستوى الرقابة والشفافية، وخلق بيئة تسمح بزيادة الاحتكار واستغلال حاجة المواطنين.
وكان من الأجدى أن تتجه الجهات المختصة إلى وضع إطار تنظيمي واضح لهذا القطاع، عبر إعلان ضوابط معلنة، وتحديد آليات قانونية للعمل، وتقنين دور وكلاء التحويلات المالية بدلاً من تركهم خارج المنظومة الرسمية، بما يضمن استمرار الخدمة ويحمي المواطنين من الاستغلال.
كما أن أي إجراءات تمس معاش الناس وحركتهم التجارية تحتاج إلى وضوح كامل في الأسس القانونية والجهات المسؤولة عن التنفيذ، حتى لا تتحول القرارات الضرورية إلى حالة من الغموض تفتح الباب للاجتهادات الفردية أو الممارسات التي تزيد من معاناة المواطنين والتجار.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن تقدم حكومة الولاية والجهات المختصة توضيحات شاملة حول طبيعة هذه الإجراءات، والجهات التي تتولى تنفيذها، والحلول البديلة المطروحة، والإطار القانوني الذي تستند إليه، خاصة أن الملف يرتبط مباشرة بحياة الناس اليومية وحركة الاقتصاد المحلي.
إن المعالجة الحقيقية لأزمة السيولة تتطلب تنسيقاً واسعاً مع المؤسسات الاقتصادية المختصة، وفي مقدمتها الجهات المصرفية ووزارة المالية، لوضع سياسات أكثر مرونة تساعد على توفير النقد وتسهيل عمليات التداول، مع حماية أموال المواطنين ومنع أي ممارسات ضارة بالسوق.
كما أن تقنين عمل الوسطاء الماليين وتحويلهم إلى وكلاء دفع معتمدين تحت إشراف الجهات المصرفية المختصة يمكن أن يكون خياراً عملياً يوازن بين حاجة المجتمع إلى الخدمة وضرورة الرقابة والتنظيم.
فالاستقرار الاقتصادي لا يتحقق بإغلاق الأبواب وملاحقة الظواهر الناتجة عن الأزمة فقط، وإنما بمعالجة أسبابها وبناء نظام مالي قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين. إن حماية الاقتصاد المحلي تتطلب قرارات مؤسسية مدروسة، لا إجراءات مؤقتة قد تزيد من تعقيد المشهد.
المواطن السوداني الذي يواجه تداعيات الحرب والغلاء وتراجع الخدمات يحتاج إلى حلول واقعية تعيد الثقة وتوفر الأمان الاقتصادي، لا إلى مزيد من القيود التي تعرقل حركة التجارة وتزيد أعباء الحياة.
إن الاقتصاد لا يُصلح بالقبضة وحدها، بل بالرؤية، والتنظيم، وبناء البدائل التي تجعل الدولة شريكاً في الحل لا طرفاً في تعقيد الأزمة.




