تقارير وتحقيقات

أزمة الخبز في الخرطوم… المواطن الحلقة الأضعف

 

قرار تخفيض أسعار الدقيق… الموية تكذب الغطاس

تقرير – حنان الطيب

تعيش ولاية الخرطوم على وقع أزمة خبز متفاقمة لم تعد مجرد مشكلة في سلعة يومية، بل تحولت إلى عنوان لضغوط معيشية خانقة تواجه الأسر السودانية. فالقفزات المفاجئة في أسعار الدقيق ومدخلات الإنتاج، إلى جانب انقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود، جعلت المخابز تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، بينما يجد المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع أزمة تتشابك حلقاتها من الاستيراد مرورًا بالميناء والنقل والطحن والتوزيع، وصولًا إلى المخبز الذي يمثل الحلقة الأضعف.

كشفت آراء المواطنين في مناطق الخرطوم ، بحري وأمدرمان ، عن حالة من السخط والغضب بسبب ارتفاع أسعار الخبز وضعف الوزن وعدم الالتزام بالمواصفات. وأوضحوا أن القرارات الحكومية لا تصل إلى أرض الواقع، وأن الخبز أصبح عبئًا يوميًا على الأسر.

خفيفة الوزن

بدأت المواطنة فاطمة عمر بالشكوى من الزيادة الكبيرة في أسعار الخبز التي تطرأ كل يومين، مشيرة إلى أن بعض المخابز تبيع ثلاثة أرغفة بمبلغ ألف جنيه، لكنها خفيفة الوزن ولا تتبع أي مواصفات قياسية، بالإضافة إلى تقليل حجم الرغيف حتى أصبح “بقدر كفة اليد”. وأكدت أن بعض المخابز تبيع ثلاثة أرغفة بألف جنيه، بينما أخرى تبيع رغيفتين بنفس السعر.

كشف آمنة النور عن الارتفاع المفاجئ في مناطق شرق النيل، الخرطوم، بحري وأمدرمان أن الأسعار ارتفعت تدريجيًا حتى وصل سعر الرغيفة الواحدة إلى 500 جنيه، مقارنة بالتعريفة السابقة التي كانت تتيح شراء ثلاث قطع بألف جنيه.

شراء العجين 

اشتكى عدد من المواطنين من أن الأزمة لا ترتبط بالسعر وحده، بل بصعوبة الحصول على الخبز في بعض المناطق، فضلًا عن تفاوت الأسعار بين المخابز، إضافة إلى أزمة الكهرباء وارتفاع تكاليف التشغيل التي تؤثر على انتظام الإنتاج. وأشاروا إلى لجوء بعض الأسر إلى شراء العجين غير المخبوز نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، ما يعكس تعقيد الأزمة وتشابكها مع مشكلات أخرى في الخدمات والإنتاج.

على أرض الواقع 

فيما أشار المواطن احمد النور لما أعلنتة وزارة الصناعة والتجارة بالتعاون مع المطاحن بخفض سعر جوال الدقيق إلى نحو 87 ألف جنيه، في محاولة لتقليل تكلفة الإنتاج ووقف موجة الزيادات الجديدة. موضحين ان السعر المقترح أن قيمة الرغيف ستتراجع إلى 250 جنيهاً، بدلاً من 500 جنيه في بعض المخابز التي طبقت الزيادة الأخيرة.متمنيا إنزال ذلك على أرض الواقع لتخفيف معاناة المواطنيين.

التوقف عن العمل.

فيما أجمع عدد من أصحاب المخابز على أن ارتفاع أسعار الخبز يعود إلى الزيادة الكبيرة في تكلفة الإنتاج، موضحين أن أسعار الدقيق، الخميرة، الغاز، والعمالة ارتفعت بشكل ملحوظ، مما جعل التكلفة عالية جدًا.وأشاروا إلى أن القطوعات المستمرة في الكهرباء وارتفاع أسعار الجاز ولوح الثلج زادت من الأعباء على المخابز، حتى أصبح بيع ثلاثة أرغفة بألف جنيه هو الخيار المتاح، رغم أنهم لا يحبون الغلاء ولا يرغبون في تحميل المواطن المزيد من الضغوط أكدوا أن السوق لم يعد يتماشى مع الواقع، فـ”ثلاثة أرغفة بألف جنيه لا تغطي التكلفة، وإذا أصبحت رغيفتين فقط فلن نستطيع الاستمرار وسنتوقف عن العمل”، مشيرين إلى أن القوة الشرائية للمواطنين ضعفت مقارنة بالسابق، وهو ما يعكس حجم الأزمة المعيشية.

لمعالجة الأزمة 

من جانب أكد الأستاذ فتح الرحمن بدوي نائب الأمين العام لاتحاد المخابز أن الأوضاع المعيشية انعكست بصعوبة ومشقة على المواطنين، لكنه أوضح أن رغم ارتفاع تكاليف التشغيل، فإن السوق يشهد وفرة في الخبز، حيث تتكيف كل أسرة مع قيمة الشراء وفق ميزانيتها الخاصة.وأضاف أن المخابز تعمل في جميع أنحاء الولاية والخبز متوفر، مشيرًا إلى أن الاتحاد ما زال في اجتماعات متواصلة مع اللجنة الاقتصادية بالولاية لمعالجة الأزمة وإيجاد حلول عملية.ونفى بدوي أن تكون المخابز قد تلقت أي دعم، موضحًا أنه حتى بعد تحرير الخرطوم وجد أصحاب المخابز أن منشآتهم مدمرة تمامًا ولم يجدوا جهة تساعدهم لإعادة القطاع كما كان قبل الحرب.

الحلقة الأضعف 

أوضح فتح الرحمن أن سعر الرغيف تأثر بشكل مباشر بزيادة أسعار الدقيق، حيث كان المخبز يبيع 4 قطع خبز بـ 250 جنيه. ومع الزيادة الأخيرة في سعر جوال الدقيق، ارتفعت التكلفة بنسبة 94.25%، ما يعني أن السعر العادل للقطعة الواحدة بعد الزيادة يجب أن يكون حوالي 344.25 جنيه.وأضاف أن معظم المخابز تعمل حاليًا بسعر 3 أرغفة بألف جنيه، أي ما يعادل 333 جنيه للرغيفة الواحدة، وهو أقل قليلًا من السعر المفترض وفق نسبة الزيادة، مما يعكس الضغوط الكبيرة التي يتحملها أصحاب المخابز لتوفير الخبز للمواطنين.وتابع أن المخابز جزء من منظومة مترابطة تبدأ من الاستيراد، مرورًا بالميناء والنقل والطحن والتوزيع، وصولًا إلى المخبز، موضحًا أن المخبز يمثل الحلقة الأضعف لأنه في مواجهة مباشرة مع المواطن. وأضاف: “إذا ارتفعت أسعار الدقيق ولم يتحرك سعر الخبز، فإن المخابز ستتوقف عن العمل، لأنه لا أحد يستطيع الاستمرار بالخسارة – خادم الفكي مجبور على الصلاة”، في إشارة إلى أن المخابز مضطرة لمجاراة الواقع رغم صعوبته.وأشار إلى أن إعفاء المخابز من الرسوم المحلية خطوة إيجابية، لكنه أوضح أن القطاع كان قد دفع هذه الرسوم منذ بداية العام، مما زاد من الأعباء المالية على أصحاب المخابز

قال أن المخابز تعمل في ظروف بالغة الصعوبة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، من بينها الانقطاع المتكرر للكهرباء، وغيابها تمامًا في بعض المناطق، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد البترولية ومدخلات الإنتاج الأخرى.

ارادة حقيقية 

أكدت نائب الأمين أن قطاع المخابز قطاع كبير وحيوي يحتاج إلى إرادة حقيقية وتجرد وخوف على المصلحة العامة، مشيرة إلى أن معالجة أزمات هذا القطاع تتطلب مراجعة شاملة للرسوم من الألف إلى الياء.وشددت على أن أي إصلاح لا بد أن ينطلق من رؤية واضحة تضع المواطن في قلب الاهتمام، لأن الخبز سلعة أساسية ترتبط مباشرة بمعيشة الناس واستقرارهم.وقالت إن المخبز لا حول له ولا قوة،

فهو الحلقة الأضعف في سلسلة إنتاج الخبز، ويواجه المواطن مباشرة. وأوضح أن ارتفاع أسعار الدقيق دون تحريك سعر الخبز يجعل استمرار المخابز مستحيلًا، لأن “لا أحد يستطيع أن يعمل بالخسارة”

خطة واضحة

أعرب بدوي عن أمله في أن يتم تكثيف الجهود والتحضير المبكر لموسم الشتاء القادم، مشددًا على ضرورة أن تضع وزارة الزراعة خطة واضحة لزراعة مساحات مقدرة من القمح البلدي باعتباره محصولًا استراتيجيًا يرتبط مباشرة بمعيشة الناس واستقرارهم. . وأكد أن هذا التوجه يمكن أن يقود تدريجيًا، ومع الإرادة الحقيقية، إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، بما يضمن استقرار سلعة الخبز ويخفف من اعتماد البلاد على الاستيراد.

على أرض الواقع

أعلنت ولاية الخرطوم أنه اعتبارًا من يوم السبت 12.9.2026 سيتم إيقاف جميع الحوافز المباشرة وتخفيض أسعار الدقيق بجميع أنواعه.وجاءت الأسعار الجديدة على النحو التالي:سعر دقيق خباز آلي أصبح 103,500 جنيه.سعر دقيق خباز بلدي 50 كيلو أصبح 192,500 جنيه.سعر دقيق خباز بلدي أصبح 99,500 جنيه.سعر دقيق الأصلي أصبح 96,000 جنيه.سعر دقيق حلواني باسطة أصبح 108,000 جنيه.سعر دقيق حلواني كيك أصبح 100,000 جنيه.

حبر على ورق

رأى عدد من المواطنين أن قرار ولاية الخرطوم بإيقاف الحوافز المباشرة وتخفيض أسعار الدقيق خطوة إيجابية، لكنه لن يكون ذا أثر ملموس ما لم يتم إنزاله على أرض الواقع وتشديد الرقابة على المخابز والأسواق.وأكدوا أن التجارب السابقة أظهرت أن بعض القرارات تبقى حبرًا على ورق، بينما يستمر المواطن في مواجهة أسعار مرتفعة وأوزان غير مطابقة للمواصفات. وطالبوا بأن تكون هناك آلية واضحة للرقابة اليومية على المخابز لضمان بيع الرغيف بالسعر والوزن المعلن، حتى لا تضيع فائدة القرار بين حلقات السوق.وأشاروا إلى أن المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه الأزمة، وأن أي إصلاح لا بد أن يضعه في قلب الاهتمام، لأن الخبز سلعة أساسية ترتبط مباشرة بمعيشة الناس واستقرارهم.

يظل التحدى 

قال عدد من المواطنيين ويظل التحدي الأساسي أمام الحكومة هو ضمان وصول الدقيق بالسعر المخفض إلى المخابز فعلياً، ومنع أي زيادات غير مبررة في سعر الرغيف، مع ضمان توفر الخبز بصورة مستقرة للمواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!