هل يفلح الحراك الدولي في جنيف إنهاء الحرب في السودان وإنقاذ السودانيين من دمار الحرب؟

هل يفلح الحراك الدولي في جنيف إنهاء الحرب في السودان وإنقاذ السودانيين من دمار الحرب؟
بقلم: زهراء الصافي زندو
في وقتٍ يئن فيه السودان تحت وطأة حربٍ دخلت عامها الرابع، وتتسع فيه رقعة الدمار والنزوح والجوع، تتجه الأنظار مجدداً إلى مدينة جنيف السويسرية، حيث اجتمع ممثلو نحو 22 دولة وعدد من المنظمات الإقليمية والدولية في 21 أكتوبر 2026، لبحث سبل تنسيق المبادرات الرامية إلى وقف الحرب وتحقيق السلام في السودان. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح أمام السودانيين ليس عدد الدول المشاركة، ولا حجم التصريحات الصادرة عن قاعات الاجتماعات، وإنما: هل يمتلك هذا الحراك الدولي الإرادة والقدرة على وقف نزيف الدم السوداني، أم أنه سيضاف إلى سلسلة المبادرات التي تتحدث عن السلام بينما تستمر الحرب في حصد الأرواح وتدمير ما تبقى من الوطن؟
انعقاد اجتماع جنيف قد يمثل فرصة دبلوماسية جديدة، خاصة أنه يجمع أطرافاً دولية وإقليمية لها تأثير في مسار الأزمة السودانية. وقد ركز الاجتماع على تنسيق الجهود السياسية، وخفض التصعيد، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والعمل من أجل مسار سياسي شامل يقوده السودانيون أنفسهم. ومع ذلك، فإن قيمة أي اجتماع دولي لا تُقاس بما يصدر عنه من بيانات، بل بما يستطيع تحقيقه من نتائج ملموسة على أرض الواقع.
الشعب السوداني دفع ثمناً باهظاً لهذه الحرب التي اندلعت في أبريل 2023. مدنٌ تحولت إلى ساحات للقتال، ومنازل أُحرقت أو نُهبت، وأسواق ومرافق خدمية تعرضت للدمار، وملايين المواطنين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم نتيجه للاستهداف الممنهج وبحثاً عن الأمان. وفي ظل استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة، واتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، لم تعد الأزمة مجرد صراع عسكري على السلطة، بل أصبحت تهديداً شاملاً لحق السودانيين في الحياة والكرامة والمستقبل.
وتشير بيانات الأمم المتحدة التي أُعلنت خلال اجتماعات جنيف إلى أن نحو 34 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية عاجله ، بينما يواجه الأطفال مخاطر جسيمة نتيجة انقطاع التعليم والعنف والنزوح. وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات تُدرج في التقارير الدولية؛ إنها حكايات أسر فقدت مصادر رزقها، وأطفال حُرموا من مدارسهم، ونساء يتحملن أعباء النزوح والفقد، ومواطنين يواجهون الجوع والمرض في ظروف بالغة القسوة في معسكرات اللجوء والنزوح.
إن التحدي الحقيقي أمام الحراك الدولي لا يكمن في جمع الدول والمنظمات حول طاولة واحدة، وإنما في تحويل هذا التوافق الدبلوماسي إلى ضغط فعلي يغيّر حسابات أطراف الحرب، ويدفعها إلى وقف القتال والانخراط الجاد في عملية سياسية تنهي الصراع.وهذا يمثل أملا جديدا وتحديد لجني نفسها.
فقد شهدت الأزمة السودانية مبادرات متعددة، واجتماعات متكررة في عواصم إقليمية ودولية، وصدرت دعوات عديدة إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين. ومع ذلك، لم تنجح الجهود السابقة في تحقيق وقف شامل ومستدام للحرب. وقد أقر المشاركون في اجتماع جنيف الأخير باستمرار القتال وتفاقم المعاناة الإنسانية، مؤكدين ضرورة تنسيق المبادرات القائمة وتجنب تكرار الجهود المتعارضة.
وهنا تبرز لنا أسئلة جوهرية: ما الذي سيجعل هذه الجولة مختلفة عن سابقاتها؟ وهل ستتمكن الدول المؤثرة من استخدام علاقاتها ونفوذها للضغط على الأطراف المتحاربة؟ وهل ستتوقف إمدادات السلاح والتمويل التي تسهم في إطالة أمد الصراع؟ والأهم من ذلك، هل ستكون هناك آليات واضحة لمراقبة تنفيذ أي اتفاق ومحاسبة من يعرقله؟الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الحقيقية للحراك الدولي.فنحن السودانيون لم نعد بحاجة إلى وعود جديدة بقدر حاجتنا إلى إجراءات تنقذ ألاروح وتفتح الطرق أمام الإغاثة، وتحمي المستشفيات والأسواق والمدارس ومخيمات النازحين،من الطيران والمسيرات وتعيد إلى الناس الحد الأدنى من الشعور بالأمان.قطعنا فإن وقف الحرب يبدأ بحماية المدنيين
ولا يمكن الحديث عن سلام حقيقي بينما يظل المدنيون عرضة للقصف والاستهداف والانتهاكات، أو بينما تُستخدم معاناتهم وسيلة للضغط العسكري والسياسي. ولذلك، ينبغي أن تكون حماية المدنيين أولوية فورية لا تنتظر التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.
ويقتضي ذلك العمل من أجل الوقف الفوري للهجمات على المناطق السكنية والأعيان المدنية، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وفتح الممرات الآمنة، وضمان وصول الغذاء والدواء إلى المتضررين في اي بقعه ، دون تمييز .كما ينبغي أن يتضمن أي تحرك جاد التزامات محددة بوقف إطلاق النار، وآلية مستقلة وموثوقة لمراقبة التنفيذ، وإجراءات واضحة للتعامل مع الخروقات. فالاتفاق الذي لا يمتلك وسائل المتابعة والتنفيذ يظل عرضة للانهيار، مهما كانت اللغة المستخدمة في صياغته قوية ومتفائلة.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن تتحمل الدول التي تمتلك نفوذاً على الأطراف المتحاربة مسؤوليتها في استخدام هذا النفوذ لوقف التصعيد، بدلاً من أي خطوات قد تسهم في استمرار الحرب أو توسيع نطاقها. وقد دعا المشاركون في اجتماع جنيف بالفعل الجهات الخارجية إلى الامتناع عن تغذية الصراع بالأسلحة والمعدات العسكرية والتمويل، وشددوا على ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار.
على الرغم من أهمية الدور الدولي، فإن إنهاء الحرب لا يمكن أن يتحقق من خلال التفاهمات الخارجية وحدها. فالسودان ليس مجرد ملف تفاوضي تتقاسمه العواصم، والشعب السوداني ليس طرفاً هامشياً في تقرير مستقبل بلاده.
إن أي تسوية تتجاهل القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، أو تستبعد النساء والشباب والضحايا والنازحين واللاجئين، ستظل معرضة لإعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة. فالمطلوب ليس فقط وقف المواجهات العسكرية، بل تأسيس مسار سياسي مدني شامل يعالج جذور الصراع، ويضمن مشاركة السودانيين في صياغة مستقبلهم، ويضع أسساً لدولة تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية والحكم المدني الديمقراطي والمساءلة.
والعدالة لا ينبغي أن تكون ضحية التسويات السياسية. فمعالجة الانتهاكات الجسيمة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم الإفلات من العقاب، تمثل عناصر أساسية في بناء سلام مستدام. ولا يمكن مطالبة المجتمعات المتضررة بطي صفحة الماضي بينما لا تزال جراحها مفتوحة وحقوقها معلقة.
ومن هنا، ينبغي للمجتمع الدولي أن يدعم عملية سياسية سودانية مستقلة وشاملة، لا أن يكتفي بالتنسيق بين المبادرات الخارجية أو الاكتفاء بتفاهمات لا تعكس تطلعات المواطنين الذين دفعوا الثمن الأكبر للحرب.
إن نجاح حراك جنيف يتطلب الانتقال من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة الفعل القابل للقياس. ويبدأ ذلك بتحديد جدول زمني واضح لخطوات خفض التصعيد، والضغط من أجل هدنة إنسانية قابلة للمراقبة، وضمان وصول المساعدات، وتنسيق جهود الوساطة، والعمل على إطلاق مسار سياسي مدني ذي مصداقية.
كما يتطلب الأمر شفافية أكبر في متابعة الالتزامات، وإعلان ما تحقق وما تعثر وأسباب التعثر، حتى لا تتحول الاجتماعات المتكررة إلى غاية في ذاتها. فكل يوم يمر دون تقدم حقيقي يعني مزيداً من المعاناة، ومزيداً من الأسر التي تفقد منازلها ومصادر رزقها، ومزيداً من الأطفال الذين يخسرون سنوات من التعليم وفرص الحياة.
ولا ينبغي أن تنتظر الاستجابة الإنسانية انتهاء الحرب؛ فالمساعدات وحماية المدنيين واجبان عاجلان، حتى في غياب اتفاق شامل. ولا يمكن أن تكون الإغاثة بديلاً عن السلام، لأن استمرار الحرب يعني استمرار إنتاج الازمات والنزوح والجوع والمرض والدمار.
في الختام : هل ينتصر السلام أم تستمر الحرب؟
إن السؤال عن قدرة الحراك الدولي في جنيف على إنهاء الحرب في السودان يظل مفتوحاً، ولا يمكن حسمه بمجرد انعقاد الاجتماعات أو صدور البيانات. فالمؤشرات الحقيقية للنجاح ستكون في مدى انخفاض العنف، ووقف الهجمات على المدنيين والاعيان المدنيه . ووصول المساعدات إلى مستحقيها، والتزام الأطراف بوقف إطلاق النار، وبدء عملية سياسية مدنية جادة.
اذن .أمام المجتمع الدولي فرصة لإثبات أن التضامن مع الشعب السوداني ليس مجرد خطاب دبلوماسي، وأن حياة المدنيين السودانيين ليست أقل أهمية من حسابات المصالح والنفوذ. لكن هذه الفرصة لن تكون ذات معنى ما لم تُترجم إلى خطوات عملية وضغط متواصل على كل من يسهم في استمرار الحرب.
لقد أنهكت الحرب السودان، ومزقت النسيج الاجتماعي، وهددت وحدة البلاد ومستقبل أجيالها. ولم يعد المواطن السوداني يطلب المستحيل؛ إنه يريد أن ينام آمناً في منزله، وأن يجد الطعام لأطفاله، وأن يتلقى العلاج، وأن يعود إلى مدرسته وعمله وأرضه.
نجاح جنيف لن يُقاس بعدد الدول التي حضرت، ولا بطول البيانات التي صدرت، بل بعدد الأرواح التي ستُحمى، والأسر التي ستعود إلى ديارها، والرصاص الذي سيتوقف، والأبواب التي ستُفتح أمام سلام عادل ومستدام.
فهل تتحول جنيف هذه المرة إلى نقطة انطلاق لإنقاذ السودان، أم تبقى محطة أخرى في رحلة طويلة من الانتظار، بينما يواصل السودانيون دفع ثمن حرب لم يعد الوطن يحتمل المزيد من خسائرها؟ إن الإجابة لن تصنعها الكلمات وحدها، بل الإرادة السياسية، والضغط المسؤول، والالتزام الحقيقي بأن تكون حياة الإنسان السوداني فوق كل اعتبار والمصالح الاستراتيجيه لبعض الدول
23/10/2026




