تقارير وتحقيقات
إلى من يهمه الأمر: أنقذوا شركة سكر كنانة من فساد العضو المنتدب
عباس احمد السخي - تحقيق صحفي خاص


منذ تأسيسها في العام 1977، مثّلت شركة سكر كنانة نموذجًا اقتصاديًا فريدًا في السودان والمنطقة، وأحد أنجح الشراكات الثلاثية بين حكومة السودان ودولتي السعودية والكويت، في إطار تنموي راشد قائم على التصنيع الزراعي. لم تكن كنانة مجرد مشروع اقتصادي عابر، بل صارت ركيزة وطنية استوعبت آلاف العاملين من أصحاب الخبرة والعمالة الموسمية، وأسهمت في توفير الأمن الاقتصادي والاجتماعي للسودان، وبالتالي اصبحت من ابرز المؤسسات الوطنية الرائدة.
لكن، وبينما كانت كنانة تشكل مصدر فخر واعتزاز لكل سوداني، فإنها اليوم تئن تحت وطأة الفساد والتدهور الإداري الممنهج الذي يهدد بإغلاقها وكتابة نهايتها المأساوية، بعد مسيرة قاربت الخمسين عامًا من العطاء والتميز.
نقطة التحول: التعيين الكارثي في 2017
بدأت فصول الانهيار حين تمّ تعيين عبدالرؤوف مرغني عضوًا منتدبًا للشركة في العام 2017 بقرار سياسي مشبوه من بكري حسن صالح، أحد رموز النظام البائد، الذي كرّس المحسوبية على حساب الكفاءة. وجاء عبدالرؤوف إلى المنصب الحساس هذا، خالي الوفاض من أي خبرات أو مؤهلات قيادية تليق بمؤسسة بحجم كنانة، فاقدًا لأبسط مقومات الإدارة الحديثة.
طوال سنواته الأولى، لم يكن مرغني يباشر شؤون الإدارة فعليًا، بل كان يعتمد على نائبه السابق يحيى محمد يوسف، الذي كان بمثابة العقل التنفيذي للمشروع حتى اندلع الخلاف بينهما في العام 2022. ومنذ تلك اللحظة، بدأ مشروع كنانة يتهاوى كصرح يتصدع من الداخل.
تدهور حاد في الإنتاجية.. من قمة العطاء إلى هاوية العجز
واحدة من أكثر المؤشرات فداحة على الانهيار هي التراجع الحاد في الإنتاجية الكلية، حيث كانت كنانة تنتج في السابق ما يقارب ٣٥٠ الف طن من السكر سنويًا، أما اليوم، فقد هوت إلى أقل من ربع هذه الكمية، في تراجع غير مسبوق يعكس حجم الإهمال وغياب التخطيط وتفشي الفساد.
لم يعد المشروع قادرًا على تلبية أبسط أهدافه الإنتاجية، بل صار عبئًا على العاملين والمجتمع والمساهمين، بعد أن كان نموذجًا عالميًا في الريادة الزراعية الصناعية.
فساد ممنهج في المشتريات والمبيعات
العضو المنتدب لم يكتف بالفشل الإداري، بل تحول إلى رأس حربة في منظومة فساد مؤسسية واسعة النطاق. إذ أصبح يدير بنفسه ملف المشتريات، خاصة المتعلق بـالمحروقات (الجازولين، البنزين، والفرنس)، كما تولى بشكل مباشر عمليات بيع السكر خارج القنوات المؤسسية، بعيدًا عن الشفافية واللوائح المعتمدة.
هذه الممارسات أسهمت في استنزاف موارد الشركة وتحويلها إلى سوق خاص لتمويل شبكة من المنتفعين، في وقت يُحرم فيه العاملون من مرتباتهم، وتتآكل فيه بنية المشروع.
العجز في المدخلات الزراعية.. وتلاعب قاتل في الأسمدة والمبيدات
امتدت مظاهر الفساد لتشمل مدخلات الإنتاج الزراعي، من أسمدة ومبيدات ومستلزمات زراعية، حيث جرى شراء مواد غير مطابقة للمواصفات الفنية، كما أن توقيتات الاستيراد لا تتماشى مع دورة الزراعة الموسمية، ما أدى إلى فوضى في الزراعة والإنتاج.
إن سوء التخطيط والتأخير غير المبرر في توفير هذه المدخلات، ساهم في خفض جودة المحصول ورفع نسبة الفاقد، وهو ما يمثل تهديدًا صريحًا لمستقبل المشروع.
الموسم الزراعي على شفا الانهيار: عطش يهدد بثلاثة أرباع المشروع
ولعل الكارثة الأكبر تلوح في الأفق القريب، حيث يواجه الموسم الزراعي الحالي تهديدًا وجوديًا بعد أن ضرب العطش الشديد أكثر من 75% من مساحات المشروع، بسبب سوء إدارة الري والإهمال الممنهج.
إن لم تُتخذ خطوات عاجلة لإنقاذ الموسم، فإن الخسائر قد تكون كارثية لا رجعة فيها، ليس فقط من حيث ضياع الإنتاج، بل على مستوى استمرار الشركة ككل، حيث ستترتب ديون إضافية، وسيُسرّح آلاف العاملين، وتتوقف الدورة الاقتصادية بالكامل في ولاية النيل الأبيض.
انهيار الخدمات الأساسية.. ورواتب متوقفة منذ ثلاثة أشهر
باتت أوضاع العاملين في كنانة مزرية وبائسة؛ فقد توقفت المرتبات والحوافز والخدمات الصحية منذ أكثر من ثلاثة أشهر، في وقت يواصل فيه العضو المنتدب حياته الطبيعية في دولة الإمارات العربية المتحدة، بعيدًا عن أي شعور بالمسؤولية، رغم أن مناطق كنانة لم تشهد تهديدًا مباشرًا بالحرب.
لقد حول هذا الانفصال بين القيادة والميدان المشروع إلى سفينة بلا قبطان، لا تعرف إلى أين تتجه، ولا كيف تنقذ ما تبقى من طاقمها.
“نيون” الهندية.. واجهة الفساد الجديدة
في حلقة أخرى من سلسلة العبث، منح عبدالرؤوف مرغني امتيازات حصرية لشركة هندية تُدعى (Neon)، يمتلكها أحد الموظفين السابقين بالشركة، لتكون المورد الوحيد للإسبيرات والعمالة الأجنبية، دون أي معايير للمنافسة أو الرقابة.
تعمل هذه الشركة وفق آليات فساد محكمة، وترتبط بشبكة مصالح داخل كنانة ذات طابع شخصي، هدفها نهب موارد المؤسسة وتفكيك بنيتها من الداخل.
نداء عاجل من النيل الأبيض إلى شركاء كنانة والمجتمع السوداني
نحن، أبناء ولاية النيل الأبيض، ومن منطلق المسؤولية التاريخية والمصلحة العامة، نرفع هذا النداء العاجل إلى الجهات المختصة، وعلى رأسها وزارة الصناعة، ووزارة المالية، ومكتب المراجع العام، وكذلك إلى ممثلي حكومتي المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، ونطالبهم بما يلي:
•تكوين لجنة تحقيق دولية مستقلة لتقصي الحقائق داخل شركة كنانة؛
•مراجعة شاملة لكل العقود والتعيينات والصفقات التي تمت منذ 2017؛
•محاسبة المتورطين في الفساد والإهمال الإداري، وعلى رأسهم العضو المنتدب الحالي؛
•إعادة هيكلة الإدارة العليا فورًا، وتكليف قيادة بديلة ذات كفاءة واستقلالية؛
•تحديد شركة مراجعة دولية محايدة لتقييم الأداء المالي والفني والإداري.
إن ما يحدث اليوم داخل كنانة لا يمس مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل يُهدد مستقبل ولاية كاملة، ويعبث بثقة شركاء دوليين طالما وقفوا بجانب السودان.
لقد آن الأوان لإنقاذ هذا الصرح قبل أن يُقبر، ولإعادة الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج، بعد أن حوّله الفساد إلى واحة من الخراب.
أنقذوا كنانة.. فالصمت لم يعد خيارًا.




