رأي

ليلى العاقب: الحقيقة والمأساة في الحصول شهادة وفاة؛

د. فاطمة الزين الغالي - كليفورنيا

د. فاطمة الزين الغالي – كليفورنيا

عندما اندلعت الحرب العبثية التي شنّها الإخوان المسلمون على الشعب السوداني، والتي تقاتل فيها الجيش بقيادة ضباط فعليين من تيار الإسلام السياسي، وقوات الدعم السريع التي زعموا يوماً أنها خرجت من رحم القوات المسلحة ووجِدت لحماية “الكنداكات في خدورهن”، رافق تلك الحرب فزع شامل، خاصة من الجرائم المسكوت عنها، وعلى رأسها “جرائم الشرف”.

 

تملّك القلق آلاف الأسر، لا سيما في الأرياف، فصار بعضهم يبحث لبناته عن زواج “كيفما اتفق”، فقط لأجل أن تكون تحت “ظل رجل” يحميها من احتمالات الاختطاف أو الاستهداف أو الابتزاز من عصابات الحرب. ومن بين تلك الأسر كانت أسرة ليلى الصديق العاقب، الفتاة التي كانت في مقتبل العمر، لم تكمل عامها العشرين حين اقتربت خطوط الحرب من المدينة.

 

في إحدى الليالي، اقتربت والدتها، سوسن الشيخ، من أذنها وهمست: “يا بنتي الحرب بتقرب مننا، والبلد ما بقت أمان… أنا وأبوك قررنا نزوّجك من سعيد، ولد جارنا عبدالله”.

كان سعيد قد تخرّج للتو من كلية القانون ونجح في اجتياز امتحان المعادلة، واستأجر مكتباً صغيراً في المدينة لمزاولة المهنة. وأضافت الأم: “سعيد ولد محترم، وتحدثت معه والدته، وقال إنه موافق”، فهزّت ليلى رأسها بالموافقة ثم همست: “لكن هل هو فعلاً راغب؟” ردّت سوسن بثقة: “نعم، لكنّه مشغول بإجراءات فتح المكتب”.

قبيل اكتمال مراسم الزواج، اجتاحت الحرب المدينة، وسقطت الفرقة العسكرية بلمح البصر في يد قوات الدعم السريع. فرّ الناس هاربين، مذعورين من الدعاية التي روّجها الإخوان عن “بطش” القوات الجديدة. وبعد شهر فقط، تم عقد قران سعيد وليلى في المسجد، بحضور ضئيل من الجيران، في صلاة العشاء، وقد أمّ الصلاة أحد ضباط الدعم السريع الذي قرأ آيات من القرآن بصوت مؤثر، ثم شارك في مراسم العقد بحكم الأمر الواقع.

انتقل الزوجان إلى بيت صغير مجاور لبيت والد ليلى، الذي كان مسنًّا ومصابًا بإعاقة مزمنة. حاول سعيد أن يبدأ حياة مستقرة في ظل هدوء هش، لكن سرعان ما تدهورت الأوضاع الأمنية بسبب تصاعد هجمات الجيش وظهور جماعات متطرفة تُعرف باسم “البراءون”، مما اضطر الأسرة إلى الانتقال لمنطقة مجاورة سيطر عليها الجيش حديثاً.

وما إن استقروا هناك حتى داهمتهم مخابرات الجيش، واقتادوا سعيد إلى التحقيق بدعوى “التعاون مع الدعم السريع”، فقط لأنه عقد قرانه أثناء سيطرة الدعم السريع على قريتهم. لم تُجْدِ تبريراته نفعاً، ولم تُقبل شهاداته، فاحتُجز في معتقل يتبع إحدى الفرق العسكرية، وظل مصيره مجهولاً طوال أكثر من ثمانية أشهر.

في تلك الفترة كانت ليلى في شهرها التاسع من الحمل، تتنقل بين المدينة والقرية بحثاً عن معلومة واحدة تُطمئنها عن مصير زوجها. لكن كل الأبواب أُغلقت في وجهها. والدها، الصديق العاقب، استأذن للرحيل بعد أن تفاقمت عليه مضاعفات مرض السكري، وفشلت الأسرة في توفير العلاج المناسب له. وبعد عشرة أيام من وفاته، وضعت ليلى مولودها الذكر، وأسمته “سعيد”، رغم اعتراض الأسرتين، قائلة: “عندما يعود سعيد، هو من سيختار اسم ولده… أما الآن، فسيحمل اسمه”.

ومع بلوغ الرضيع شهره الأول، تم الإفراج عن أحد مرافقي سعيد، بهاء الدين، الذي خرج من المعتقل مصاباً بفشل كلوي، وعلى وشك الموت. وحين سُئل عن مصير سعيد، قال بصوت متهدج: “سعيد تمت تصفيته في الأسبوع الأول من اعتقاله، لأنه رفض الاعتراف بأي صلة بالدعم السريع”.

كان الخبر كالصاعقة على ليلى وأهل القرية. انفجرت بالبكاء، وانزوت في حالة نفسية حرجة، بينما الجيش رفض إقامة مأتم أو إعلان وفاة سعيد.

لكن فصول المعاناة لم تنتهِ عند هذا الحد. فحين حاولت ليلى استصدار شهادة وفاة زوجها، اصطدمت بتعنت السلطات، التي أنكرت حتى وجود سعيد في معتقلاتها، ورفضت الاعتراف بوفاته. تحوّلت معركة ليلى من البحث عن مصير زوجها إلى معركة قانونية بيروقراطية، أرادت بها إثبات ما لا تريد الدولة الاعتراف به.

وكانت شهادة الوفاة ضرورية لتسجيل ابنها، وضمان حقوقه القانونية، وتسوية مسائل الميراث. ولكن في غياب مستند رسمي يثبت وفاة الأب، أصبح الرضيع “سعيد الصغير” طفلاً بلا سند قانوني، في بلد مزّقته الحرب وتكالب عليه النسيان. فاضطرت ليلى للجوء إلى محامين ومنظمات حقوقية علّها تنتزع شهادة وفاة زوجها من صمت الأجهزة، وتضمن حق ابنها في النسب والميراث.

لقد أصبحت مأساة ليلى نموذجاً آخر من مآسي الحرب التي تتجاوز الرصاص والدمار، لتطعن الناس في كرامتهم وأعماقهم، وتقتل الحياة مرتين: مرة بالجريمة، ومرة بالإنكار.

تعليق: هذه القصة حقيقية، ولكننا غيّرنا الأسماء والأماكن حرصاً على سلامة أصحابها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!