
نجم الدين دريسة
لم تكن مواكب نيالا مجرّد تظاهرات شعبية جابت الشوارع والأحياء، بل كانت تجليًا حقيقياً لوعي متقد، وشهادة ناطقة على يقظة شعوب الهامش التي كسرت حاجز الصمت وأعلنت للعالم رفضها القاطع للظلم التاريخي المتجذّر، الذي مارسته النخب المركزية على مدى قرن من الزمان.
هذا الحراك الجماهيري العريض لم يخرج فقط ليحتج، بل خرج ليعلن الانحياز الكامل إلى مشروع “حكومة التأسيس”، بوصفه محاولة جريئة لإنهاء التهميش الممنهج، وتفكيك منظومة القهر التي طالما تعاملت مع إنسان الهامش ككائن فائض عن الحاجة، يعيش بالكاد، بينما تُستنزف موارده وتُنهب ثرواته. ويصدق عليه قول الشاعر:
كالعيسِ في البيداءِ يقتلُها الظما
والماءُ فوقَ ظهورِها محمولُ
تظاهرة نيالا ليست حدثاً عابراً، بل هي تعبير صادق عن ثورة شعوب قررت أن تخرج من ربقة الخضوع والإذعان. إنها علامة فارقة في مسار وعي شعبي آخذ في التصاعد، يؤمن بأن زمن الوصاية المركزية قد ولى، وأن لحظة الانعتاق قد حانت. فحرب الخامس عشر من أبريل 2023، التي أراد منها أعداء الثورة إخماد جذوتها، كانت على العكس تماماً، الشرارة التي فجّرت وعياً جمعياً جديداً، لا يُمكن احتواؤه أو تدجينه.
هذه المرة، لم تكن الثورة مفاجِئة أو عاطفية أو مختطفة من المركز. إنها ثورة ناضجة، خرجت من رحم المعاناة، ويقودها إنسان ملهم، آمن بالتغيير، وصدَقَ ما عاهد الله والشعب عليه. إنّه القائد محمد حمدان دقلو، الذي لم يكذب أهله، بل التفت حوله الشعوب التواقة لحياة أفضل، ومضت خلفه صوب أفق جديد تتجسد فيه قيم الحرية، والسلام، والكرامة، والتنمية.
ما جرى في نيالا ليس مجرد احتجاج، بل استفتاء شعبي حقيقي، يؤكد أن تحالف “التأسيس” بات الممثل الفعلي لأهل المصلحة الحقيقية في السودان. فقد التقط القفاز، وتقدّم الصفوف، في حين انكفأت التحالفات الطوباوية الأخرى، التي ما زالت تعيش في أبراجها العاجية، وتنتج خطابات معلقة في الهواء، بلا أدوات أو قاعدة جماهيرية. أما تحالفات قوى الردة، التي أشعلت هذه الحرب لتعيد عقارب الزمن إلى عهد الأوليغارشية، فإن شعب الهامش قد تجاوزها، وأسقط مشروعها، ولن يسمح بعودتها مهما اشتدت الرياح.
نيالا اليوم ليست مجرد مدينة خرجت في موكب، بل هي أيقونة ثورية، تؤكد أن جذوة الوعي لا تنطفئ، وأن التغيير هذه المرة قادم من القاع، حيث القهر والتهميش، ولكنه يصعد بثبات نحو القمة، حيث الكرامة والعدالة.




