الحلقة السادسة: الذات العنصرية؛ عبدالرحمن عمسيب نموذجا: النخبة والمجتمع المدني أمام اختبار الكراهية – الصمت تواطؤ
صالح السليمي

صالح السليمي
إذا كانت الظاهرة العمسيبية تمثل في جوهرها مزيجًا من الانحطاط النفسي والعدوان اللفظي الممنهج، فإن الصمت الذي يلف النخب السودانية والمجتمع المدني تجاه هذه الظاهرة ليس سوى تواطؤ صامت، أو عجز قاتل، يُهدد بترسيخ الانحطاط العنصري كأمر طبيعي، في وقت يحتاج فيه السودان إلى أعلى درجات اليقظة الأخلاقية والوطنية.
أولاً: نخبة مشغولة بذاتها أم عاجزة عن الفعل؟
لقد عرف السودان عبر تاريخه الحديث نخبًا سياسية وفكرية وصحفية لعبت أدوارًا ريادية في الدفاع عن قضايا العدالة والوطنية، لكن ما نراه اليوم من حالة التراجع المريب أمام الخطاب العنصري – الذي يمثله عمسيب وأمثاله – يطرح أسئلة قاسية:
• أين أهل الرأي والفكر؟
• أين المثقفون والأكاديميون من هذا الخراب؟
• لماذا تكتفي بعض النخب بالمراقبة من بعيد، أو بالتبريرات الهزيلة التي تسمي الفوضى “حرية رأي”، والعنصرية “وجهة نظر”؟
إن مسؤولية النخبة السودانية لا تقتصر على الكتابة الموسمية أو الإدانات الهامشية، بل تتطلب موقفًا جماعيًا حازمًا، يؤسس لميثاق وطني ضد خطاب الكراهية، ويفضح كل من يحاول تسميم الحياة العامة بخطاب عنصري، جهوي، أو فئوي.
ثانياً: المجتمع المدني بين الغياب القسري والانكفاء الذاتي
يعاني المجتمع المدني السوداني من هشاشة واضحة منذ أن تعرّض لهجمات متتالية من الأنظمة الاستبدادية، ثم جرى تفريغه من أدوات الفعل الجماعي الحقيقي. ومع ذلك، فإن ما تبقى من منظمات، واتحادات، ونقابات، وجمعيات، لا يزال يحتفظ بإمكانية هائلة للتأثير في الرأي العام وتوجيه الوعي الجمعي.
لكن السؤال يبقى:
• لماذا يغيب صوت المجتمع المدني في معركة مصيرية كتلك التي نخوضها ضد العنصرية؟
• لماذا لم نرَ حملات قانونية، أو توعية، أو بيانات، أو تكتلات لمناهضة ما يفعله هذا النموذج المنحرف من التحريض والإساءة إلى وطن بأكمله؟
إن هذا الصمت يشبه “القتل بصمت”، إذ يتيح للمجرم أن يواصل جرمه، ويوحي للضحايا بأنهم بلا نصير.
ثالثاً: المعركة ليست مع عمسيب وحده
علينا أن ندرك أن معركتنا اليوم ليست مع عمسيب كشخص، بل مع منظومة فكرية كاملة ترى أن السودان يمكن أن يُدار بالجهوية والعنصرية والانتقاص من الآخرين.
عمسيب مجرد لسان لهذه المنظومة، وقد يأتي غدًا من هو أسوأ منه، وأشد وقاحة، ما لم تتشكّل جبهة واسعة من الأصوات النبيلة لمواجهة الانحدار.
هنا تظهر أهمية تحالف واسع بين النخب المدنية والمهنية، والمنظمات المجتمعية، والأحزاب ذات الوعي الديمقراطي، لتأسيس منصة دائمة لمراقبة خطاب الكراهية، وفضحه، وملاحقة مروجيه قانونيًا وإعلاميًا، وتقديم البدائل الفكرية والثقافية التي تعزز التعدد والوحدة والاحترام المتبادل.
رابعاً: لا خيار أمامنا إلا المواجهة
إما أن نتصدى لهذا الانهيار الأخلاقي الذي يروج له أمثال عبدالرحمن عمسيب، أو نتحمّل جميعًا تبعات الانحدار إلى هاوية رواندية أخرى، حيث لا وطن، ولا مجتمع، ولا مستقبل.
المعركة الأخلاقية التي نخوضها اليوم هي معركة بقاء وطني، وليست خلافًا في الرأي.
ومن يلتزم الحياد في قضايا الكرامة والعدالة، إنما يقف في صف الظالم.
في الحلقة السابعة القادمة، نتناول الأطر القانونية والدستورية التي يمكن أن يُبنى عليها تجريم خطاب الكراهية، وآليات تشريعها ومأسستها داخل النظام القانوني السوداني.




