
الاستاذ محمد حسن عربي المحامي
في الثالثة ظهرا يوم ٤ مارس ٢٠٠٩م كنت اتحرك بسيارتي بشارع النيل الخرطوم وكنت استمع الي إذاعة لندن أمام القصر الجمهوري بالضبط عندما سمعت على الهواء توجيه الاتهام رسميا بواسطة المحكمة الجنائية الدولية ، ضد الرئيس عمر حسن البشير ، وصدور أوامر قبض للمحاكمة بتهم ارتكاب جرائم ضد الانسانية (خمس تهم) ، وتهمتين لارتكاب جرائم حرب ، مع رفض توجيه تهمة الابادة الجماعية ضد البشير و قادة من نظامه ، وهو القرار الذي تم استئنافه و تم فى يوليو ٢٠١٠م رسميا توجيه تهمة الابادة الجماعية لعمر البشير بسبب ارتكاب أفعال إبادة جماعية ضد الفور ، الزغاوة و المساليت باقليم دارفور .
في تلك اللحظة شعرت بالدموع تنهمر من عيني ، فقد كانت لحظة فارقة في تاريخ البلاد التي عانت لسنوات منذ الاستقلال من أفعال ممنهجة تشكل جرائم حرب و إبادة في أجزاء واسعة دون محاسبة مما تسبب في انتقال الحروب و القتل من مدينة لأخرى ومن قرية الي قرية دون أن تطرف جفن السلطة المركزية في الخرطوم الراعية الرسمية للقتل و الجرائم ضد الإنسانية و جرائم الحرب.
عندما ذهبت عقب ثورة ديسمبر المجيدة الي ولاية شمال دارفور واليا ، غادرت العاصمة الفاشر في أول ٢٤ ساعة الي محلية كتم لمعايدة المعتصمين في منطقة فتابرنو، فقد كان ذلك الاعتصام تذكيرا بأن علينا في السلطة الانتقالية العمل بجد من أجل تدشين مرحلة جديدة في إقليم دارفور عنوانها استعادة الأمن و الاستقرار للمواطن وحمايته من كافة الانتهاكات ضده ، وفي اليوم الثاني لعيد الاضحى فضلت زيارة معسكرات نيفاشا و زمزم و ابوجا لمعايدة النازحين، وزيارة أسر شهداء ثورة ديسمبر بالفاشر ومعايدتهم بدلا من استقبال المهنئيين بالعيد بالمنزل و دار الحزب كما خططت إدارة المراسم .
تشرفت في تلك الفترة بزيارة المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية بنسودا لولاية شمال دارفور ، حيث التقيتها بمكتبي ونقلت لها بوضوح ان محاكمة المتهمين في قضية دارفور تتجاوز في السياق السوداني مسألة ضمان عدم الافلات من العقاب و انصاف الضحايا ، الي محاكمة للتاريخ و هي بمثابة المهر المستحق السداد من أجل مستقبل يسوده السلام و الاستقرار و التعايش السلمي في دولة مدنية ديمقراطية مزدهرة.
امس استمعت مع الصديق مستور احمد و الصديقة حنان حسان هنا في كمبالا الي حيثيات الحكم التاريخي بالادانة ضد علي كوشيب أمام المحكمة الجنائية الدولية ، وهي الادانة الأولى بواسطة قضاة المحكمة في قضية دارفور منذ توجيه الاتهام رسميا في ٢٠٠٩م . هذا الحكم في هذا الوقت تحديدا يعد انتصارا كبيرا لمبدا المسئولية عن الأفعال وعدم سقوطها بالاهمال او التقادم او التجاهل ، ويعد ايضا انصافا لارواح الشهداء و الضحايا و عائلاتهم، ويؤكد ان استمرار نظام الاسلاميين الذي عاد للحكم بانقلاب ٢٥ أكتوبر يعد تهديدا كبيرا للامن و السلام الدوليين.
التهنئة لضحايا حرب الابادة الجماعية، و للادعاء العام بالمحكمة الجنائية الدولية ، ولاولائك اللذين آمنوا بعدالة القضية وظلوا في انتظار بزوغ فجر الحقيقة ، وكلنا ثقة ان كافة المتهمين بارتكاب جرائم الابادة سيمثلون أمام المحكمة يوما ما .




