رأي

العار المُؤَسَّس: كيف تتحول الجريمة الصغيرة في السودان إلى عقوبة، والجريمة الكبيرة إلى وسام شرف؟

عبدالله محمد ادم

 

عبدالله محمد ادم ..كمبالا

في المنطق السوداني الجديد، لم تعد الجريمة جريمة بحد ذاتها، بل أصبح حجمها هو المعيار الوحيد للتقييم و التحفيز. فالجريمة الصغيرة تُقدم للمحاكمة، بينما الكبرى تُقدم للترشيح للوزارة والتمجيد. هذه ليست خيالاً روائياً، بل هي المعادلة التي تحكم واقعنا المأساوي ، انها مفارقة العقاب و الترقي في زمن التفاهة

ففي مشهد يعكس الانهيار الأخلاقي، نرى محامياً يدافع عن الفقراء يحكم عليه بالإعدام بتهمة التعاون مع جهة مسلحة، بينما نرى قائداً عسكرياً يغير تحالفاته ويحرق القرى وينتقل من معسكر لآخر، فيُستقبل استقبال الأبطال وتُرفع له الأعلام و لا يجدوا له شبيها في الشجاعة و الاصالة الا خالد بن الوليد.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يصبح “الكيكل” بطلاً بينما يصبح المحامي بابكر منصور خائناً؟ و لماذا مالك عقار و جبريل و مناوي و البرهان في قمة الدولة بيما، امرأة بسيطة تحكم بالاعدام لانها كانت في مكان هرب منه الجيش و لم تبقي الا هي و اولادها و جنود الدعم السريع ؟ ربما الإجابة تكمن في حجم الجريمة وليس في طبيعتها. فالجريمة الصغيرة تُعاقب لأنها لا تحمل قوة الترهيب و المساومة، أما الجريمة الكبيرة فتصبح رصيداً سياسياً يمكن التباهي به في زمن الغفلة و الهوان الذي نعيشه.

انه المنطق المقلوب من الخيانة إلى البطولة

لقد أسست النخبة الحاكمة في السودان لـتراتبية الجريمة التي تعمل كالتالي:

الجريمة الصغيرة: يدفع مرتكبها الثمن وحده، ويستخدم كـكبش فداء لإثبات أن النظام يعمل

و الجريمة المتوسطة فيمكن غض النظر عنها إذا كان مرتكبها يحمل ورقة مساومة،لانه منسق الاستنفار في حرب الكرامة او من اهل بدر في حزب المؤتمر الوطني

اما الجريمة الكبيرة: فتصبح وسام شرف و مدخلاً للترقي السياسي و الاجتماعي

اما الالية التي عبرها تتحول الجريمة إلى رأس مال سياسي فيمكن تفسيرها بانه كلما كبرت الجريمة، كلما امتلك مرتكبها قدرة أكبر على الترهيب والمساومة و تصبح رصيدا كافيا لدخول نادي تحالفات المجرمين الكبار و يصبح مرتكبها من أصحاب المشاريع حيث يمكن الاستفادة منهم ،فالجرائم الكبيرة تُغري بالشراكة و يصبح من مصلحة نظام التفاهة استيعابها بدلاً من مواجهتها

لقد كانت اول نتائج هذه المعادلة الشريرة هو تفكك الضمير الجمعي ،حيث لم تعد الجريمة معياراً يستدعي محاسبة مرتكبها ،و النتيجة ايضا انهيار مفهوم العدالة التي أصبحت أداة انتقائية للقضاء على الصغار واحتضان الكبار مما ادي الي ولادة طبقة فوق القانون من كبار المجرمين الذين يسنون القوانين ويطبقونها على غيرهم

إن فضح هذه الآلية هو الخطوة الأولى لمواجهتها. يجب أن نعيد تعريف الجريمة بأنها جريمة بغض النظر عن حجمها، وأن نؤسس لثقافة المساءلة التي لا تميز بين صغير وكبير.

فالعار ليس في ارتكاب الخطيئة فقط، بل في تحويلها إلى وسام شرف. والعار الأكبر أن يصبح السودان ساحة لترتيب المجرمين و ترقيتهم حسب أحجام جرائمهم، حيث يُكافأ الكبير و يعاقب الصغير.و العار الحقيقي أن نعيش في زمن أصبحت فيه الجريمة الصغيرة عاراً، والجريمة الكبيرة مفخرة!، ان كبرت يصبح مرتكبها عضو مجلس سيادة، او وزير او حاكم اقليم او قائدًا عاما للجيش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!