
نجم الدين دريسة
“لا تُؤخَّر الأمم طريقها إلى المجد إلا بقوى عاجزة عن مواجهة واقعها” – هكذا يمكن أن نبدأ قراءة الأزمة السودانية الراهنة، حيث يلوح الحل الخارجي كأمل واهٍ أمام شعب لم يُمنح فرصة اتخاذ قراره بنفسه. تجربة السودان مع الرباعية الدولية وإشاراتها المتكررة لحل الأزمة السياسية تؤكد أن أي تدخل خارجي يبقى ناقصاً ما لم يستند إلى رؤية وطنية شاملة، فالحلول القشريّة لا تعالج الاختلالات البنيوية والتاريخية التي شكلت الدولة السودانية منذ عقود.
التجارب العالمية القريبة تثبت أن الاعتماد على القوى الخارجية لا ينتج إلا حلولاً سطحية. في البوسنة والهرسك، أفرز اتفاق دايتون تقسيمات عميقة بدلاً من تجاوزها. وفي هايتي، لم تمنع القوات الأممية انهيار الدولة والفوضى المستمرة. السودان، بتاريخ طويل من الهيمنة والاستقطاب السياسي، يحتاج إلى أكثر من مجرد نصوص أنيقة من الخارج، بل إلى مشروع وطني جذري قادر على إعادة تأسيس الدولة على أسس عادلة وشفافة.
القوى المدنية والسياسية الحالية، رغم طموحاتها، ما زالت هشة ومبنية على مفاهيم استعمارية قديمة، مما يجعل أي حلول خارجية عرضة للفشل أو إعادة إنتاج الأزمة بطرق أكثر تعقيداً. وهنا يبرز دور مشروع “تأسيس”، الذي يمثل خطوة غير مسبوقة نحو منح الشعب السوداني مكانة مركزية في العملية السياسية، بعيداً عن الوصاية أو التدخل الخارجي.
“من يسعى إلى السلام بدون أساس عادل، يبني قصراً على الرمال” – في جوهرها، هذه الحكمة تلخص مأزق السودان: الهدن المؤقتة، والاتفاقات الدولية، والوساطات الخارجية لن تثبت إلا إذا قامت على قاعدة وطنية حقيقية تُعيد توزيع السلطة والمشاركة السياسية لجميع المكونات، مع ضمان العدالة والمساواة. مشروع “تأسيس” لم يقع في فخ الحلول المعلبة، بل طرح رؤية تأسيسية متكاملة تجعل الشعب شريكاً أصيلاً في صياغة المستقبل.
الاختلاف الجوهري بين هذا المشروع وأي حلول خارجية أو مفاوضات خارجية هو أن “تأسيس” يعتمد على إرادة وطنية وثورية، ويقطع مع منطق الدولة الهشة التي تُدار بالوصاية والسياسات الجزئية. هذه الإرادة هي الضمان الوحيد لبناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية عادلة تعكس التنوع الإثني والجغرافي للسودان، بدل أن تستحوذ فئة ضيقة على السلاح والسلطة والخدمة المدنية.
كما أن الاعتماد على الوصاية الدولية يُسقط البلاد في فخ سياسي آخر: وهو استمرار الاستقطاب بين الجيش والجماعات المسلحة، وصعوبة تحقيق توافق وطني حقيقي. التاريخ القريب يثبت أن الجيش، بدوره، كثيراً ما كان جزءاً من الأزمة، وأي حل مؤقت دون معالجة جذور الهيمنة العسكرية والإسلام السياسي، سيظل هشاً وغير مستدام.
ختاماً، السودان يحتاج إلى مشروع يضع الشعب في صميم القرار، ويعيد تعريف الدولة على أسس عادلة ومستدامة. مشروع “تأسيس” يمثل هذه الخطوة التاريخية، ويمنح فرصاً حقيقية لتحقيق السلام والاستقرار، بعيداً عن الحلول القشرية والوصايا الخارجية.
“القائد الحقيقي من يجعل شعبه شريكاً في القرار، لا مجرد متفرج على مصيره” – هذه الحكمة تختصر جوهر الرسالة: إرادة وطنية حقيقية، مشاركة شعبية واسعة، وعدالة أساسية هي الطريق الوحيد لإنهاء أزمات السودان المزمنة وبناء مستقبل مستدام وموحّد.




