
عبد الرحمن أبو رندة …بنسلفانيا
من يتأمل المشهد السوداني اليوم يدرك أن المأساة لم تولد مع الحرب الأخيرة، بل مع اختطاف مؤسسة الجيش لعقود طويلة. فالجيش الذي يفترض أن يكون حامياً للشعب أصبح منصةً لأيديولوجية جماعة محددة، تُرسم له الرؤية السياسية والدينية، ويصبح الولاء لها أسمى من الولاء للوطن نفسه. هنا تكمن أزمة السودان الحقيقية: ليست الفوضى أو الصراع المسلح فقط، بل اختطاف أداة القوة المركزية للدولة من قبل مشروع عقائدي لم يعد يخدم الشعب.
لقد جرى تحويل الجيش إلى عقلية مزدوجة: أداء عسكري ممهور بأيديولوجيا سياسية، وولاء غير موضوعي لجماعة دينية على حساب الدولة والمواطنين. النتيجة أن القرار العسكري لا يُتخذ وفق مصالح الوطن، بل وفق ما يخدم استمرارية المشروع الحزبي، وأن أي محاولة لإعادة توازن الدولة تصطدم بعقيدة مركبة تجعل من كل إصلاح مجرد مسكن مؤقت.
الخطأ الأكبر الذي ارتكبه السودان عبر العقود الماضية لم يكن مجرد أخطاء سياسية، بل السماح لمفهوم «الدين والسياسة» أن يتسلل إلى المؤسسة العسكرية. فالجيش الذي اختطفته هذه الأيديولوجية، صار يرى نفسه سلطة عليا فوق القانون، ويتعامل مع المواطنين كأدوات، وليس كحماة لهم. هنا يظهر الفرق الجوهري: الحرب التي أشعلها الجيش المختطف ليست نزاعاً بين طرفين، بل تحمل وزرها جهة واحدة؛ وهي ذات الجهة التي أضاعت القيم العسكرية والنزاهة الوطنية.
الحل، إذن، لا يبدأ بالسلام الجزئي أو المفاوضات المؤقتة، بل بإعادة تأسيس المؤسسة العسكرية من أساسها. أي محاولة لإصلاحها من الداخل ستفشل لأن الأسس الفكرية القديمة لا تزال متجذرة، كما يقول المثل: «العطار لا يصلح ما أفسده الدهر». الحل يبدأ ببناء جيش جديد، مستقل عن أي أجندة حزبية أو دينية، ويخضع للقانون والدستور، ويكون دوره حماية المواطن والدولة لا تعزيز مشروع جماعة.
هذه العملية تتطلب أكثر من تغيير قيادات أو إعادة توزيع مواقع: تحتاج برامج تأهيل جديدة، عقيدة مهنية واضحة، تعليم قانوني وسياسي، ومؤسسات رقابية صارمة. كل ذلك لضمان أن الجيش لا يعود أداة للهيمنة، بل حارساً للحق والكرامة، ومستعداً للانصياع لمصلحة الوطن فقط.
إذا استمر السودان في التساهل مع اختطاف المؤسسة العسكرية، فإن كل اتفاق سلام سيكون هشاً، وكل هدنة مؤقتة ستنهار مع أول اختبار. فالسلام الحقيقي يتطلب أن تكون القوة المركزية في الدولة مهنية، مستقلة، وقادرة على ضبط نفسها. وإلا ستبقى الحرب مجرد استمرار لتسلط الجماعة على الشعب، ولن يكتب التاريخ للسودان سوى المزيد من الفوضى والدم.
إن إعادة تأسيس الجيش ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية، فبدونه لا يمكن أن تقوم دولة حديثة. كما أن تحرير العقل داخل المؤسسة العسكرية هو مفتاح لأي نهضة مستقبلية: حين يُحرم الجيش من الولاء للجماعة ويصبح ولاؤه للوطن، حينها فقط يمكن أن يرى السودان فجره المفقود.
باختصار، الحل ليس في البنادق، ولا في الشهادات الخطابية، بل في العقل الجديد الذي يُعيد للجيش دوره الطبيعي، ويضمن أن لا تُستباح أرواح المواطنين باسم أي مشروع أيديولوجي. فالسودان بحاجة إلى مؤسسات قوية ومستقلة، وقيادة صادقة، وجيش مُؤسس على مبدأ واحد: حماية الشعب، لا حماية مشروع جماعة.




