رأي

🔥 “التاريخ لا يعود للوراء… حين يكتب الهامش دستور السودان الجديد”

ابو عبدالله الراشدي

 

ابوعبدالله الراشدي 

في خضمّ التحولات الكبرى التي تعصف بالسودان، تتجلى الحقيقة التي طال إنكارها: أن التاريخ لا يعرف طريق العودة، وأن الشعوب حين تستيقظ لا تعود إلى وسائد الطاعة القديمة. فالحرب التي هزّت البلاد لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل لحظة تأسيس جديدة أنهت صلاحية النماذج الموروثة، وأسقطت أوهام الوصاية السياسية التي طالما احتكرها المركز باسم “الشرعية” أو “الحرية والتغيير”.

لقد حاولت بعض النخب الأكاديمية والسياسية، بوعي أو بغير وعي، أن تستعيد إيقاع الماضي عبر خرائط طريق دستورية وسياسية، تكرّر ذات المفردات القديمة، وتعيد إنتاج ذات البنية التي لفظها الواقع. غير أن السودان اليوم لم يعد ذلك الكيان القابل للتدوير. فالدولة المركزية التي وُلدت بعد الاستقلال بملامح نخبوية، تآكلت شرعيتها تحت وطأة التهميش والتفاوت والظلم، وها هي تتحلل أمام أعيننا لتفسح المجال لميلاد وطن جديد يولد من الأطراف، من الهامش، من أصوات طالما صودرت ثم نهضت الآن لتكتب دستورها بدمها وتجربتها.

إن الوثيقة الدستورية لعام مضى، ومفاهيم الانتقال السياسي التي استُهلكت، لم تعد صالحة لمرحلة ما بعد الحرب. فالمعادلة تبدلت جذرياً: القوى المدنية القديمة تآكلت وتنازعت، والنخب التي صاغت شعارات الثورة فشلت في تحويلها إلى واقع. أما على الأرض، فقد تشكّل واقع جديد أفرز تحالفاً مختلفاً في جوهره — تحالف تأسيس — الذي تجاوز منطق الترضيات السياسية إلى مشروع وطني شامل ينطلق من قاعدة الهامش لا من برج الخرطوم العاجي.

تحالف تأسيس لا يقدّم مسودة لتقاسم السلطة، بل يطرح فلسفة جديدة لبناء الدولة على أسس العدالة التاريخية، والعلمانية، والمواطنة المتساوية. إنه مشروع يتعامل مع السودان بوصفه كيانات متعددة الوجوه والثقافات والتجارب، لا رقعة واحدة تُدار من مركز مغلق. لذلك جاءت وثيقته ودستوره بمضامين فوق دستورية، تضمن الفصل بين الدين والدولة، واللامركزية العادلة في السلطة والثروة، ومبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتفكيك مؤسسات السودان القديم التي كرّست التمييز والاستبداد لعقود طويلة.

وللمرة الأولى في تاريخ البلاد، نشهد شرعية تولد من الداخل، لا من موائد الخارج. فالمبادرات التي تُصاغ في عواصم الآخرين لم تعد قادرة على إنقاذ ما تفكك، لأن الخارج نفسه يفضّل “الاستقرار الشكلي” على التغيير الجذري. أما القوى الجديدة، فقد بنت شرعيتها بعرقها، من ميادين المقاومة إلى مؤسساتها الوليدة في الأرض المحررة، ومن وعي شعبي أخذ يدرك أن الكرامة لا تمنح، بل تُنتزع.

التحول التاريخي في السودان اليوم لا يُقاس بعدد الحكومات أو الاتفاقات، بل بنوع المشروع الذي يسكن الوعي الجمعي. والوعي الجديد الذي تمثله قوى تأسيس ليس مجرد ردّ فعل على الحرب، بل لحظة وعي ثوري يتجاوز المنظومات القديمة كلها. إنه مشروع دولة لا تقف عند حدود الخرطوم، بل تمتد إلى تخوم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، ليصبح الوطن شراكة عادلة لا مركزاً مهيمنًا وأطرافًا مهمشة.

تخاف النخب القديمة هذا التحول، لأنّه يسحب من تحتها شرعية الامتياز التاريخي. لكن من يقرأ التاريخ يدرك أن الشعوب لا تهزم حين تستعيد سرديتها. فالمهمش الذي كان يُحاكم بجريرة انتمائه، صار اليوم يكتب ديباجة الدستور الجديد.

إن السودان يقف الآن على عتبة لحظة تأسيس حقيقية، لا تشبه أي انتقال مضى. ليست تسويةً بين جنرالات ومدنيين، بل قطيعة معرفية وأخلاقية مع كل ما مثّل الاستبداد والوصاية والتهميش.

فالتاريخ، كما قال هيغل، “يمضي إلى الأمام عبر الألم”، والسودان، بكل جراحه، يمضي نحو ميلاده الثاني، حيث تُعاد صياغة الدولة لا في دهاليز المركز، بل في ضمير الوطن كله.

إنه عهد التأسيس… زمن السودان الجديد الذي لا يشبه الأمس، ولا ينتظر إذناً من أحد ليولد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!