
عماد أبكر جدو | 16 نوفمبر 2025م
تتنامى في السودان، منذ اندلاع الحرب، ظاهرة الغرف المأجورة: مجموعات رقمية منظمة تعمل على تزييف الوعي العام وترويج خطاب يدعو لاستمرار القتال تحت شعارات مثل “بل بس” وغيرها، في محاولة لتشكيل تأييد شعبي مصطنع يخدم أجندات الحرب. هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى تجارب تاريخية سابقة، حيث كانت وسائل التضليل الجماهيري تُستخدم بطرق مختلفة لتحقيق أهداف سياسية أو تجارية.
من أبرز الأمثلة التاريخية على هذا الأسلوب ظاهرة التصفيق المأجور في باريس عام 1820، حين كانت تُستأجر مجموعات منظمة في الأوبرا الفرنسية للتصفيق أو الاستهجان حسب رغبة أصحاب المسارح، ما يخلق صورة مصطنعة عن قبول الجمهور أو رفضه للأعمال الفنية. وما بين هذا الماضي البعيد وبين الحاضر السوداني، تتشابه الفكرة الجوهرية: استخدام القوة المنظمة لتوجيه الرأي العام وإيهامه بالتحرك الجماعي الطبيعي، في حين يكون كل شيء مخططاً ومدفوعاً من قبل جهات محددة.
اليوم، تستعيد الغرف المأجورة هذه الفكرة، لكنها أصبحت أخطر من أي وقت مضى. فهي لم تعد تتحكم في مزاج جمهور مسرح، بل تتحكم في اتجاه الرأي العام لشعب يعيش حرباً معقدة ومأساوية. بعض القنوات الفضائية أيضاً تمارس نفس الدور من خلال طمس الحقائق وتغذية خطاب الكراهية، ما ساهم في إطالة أمد الصراع الذي دخل عامه الثالث. هذا المشهد يذكّر بما حدث مع تجربة إذاعة RTLM الرواندية التي لعبت دوراً محورياً في إذكاء العنف والتحريض خلال مأساة رواندا عام 1994، وترك إرثاً من الدمار الاجتماعي والمعاناة الإنسانية.
يبقى السؤال: كيف يمكن مواجهة هذه الآلة الدعائية التي تهدد السلم المجتمعي وتعرقل أي محاولة لتحقيق سلام مستدام؟ الحل يكمن في المحاسبة القانونية والفكرية. يجب على حكومة “السلام” و”تأسيس” سن قوانين رادعة تُحاسب منشئي هذه الغرف، وتمنع أي جهة من تضليل الرأي العام والتحريض على استمرار الحرب. كما يجب تعزيز وعي المواطنين بكيفية التعرف على الحملات المضللة والتصدي لها، وتبني خطاب وطني يقوم على الحقائق والمصداقية، بعيداً عن الدعاية المموهة.
في النهاية، فإن الحرب على التضليل لا تقل أهمية عن الحرب على السلاح نفسه، فالغرف المأجورة تمثل تهديداً حقيقياً للوحدة الوطنية، وسلام السودان يعتمد على مواجهة هذه الآفة الفكرية إلى جانب التحديات الأمنية والسياسية.



