رأي

الانضباط العسكري والالتزام الإنساني بين الجيش والدعم السريع 

مها طبيق

 

مها طبيق 

تكشف المعطيات الميدانية خلال الأسبوع الأخير عن فجوة واسعة في معايير السلوك القتالي بين طرفي الحرب في السودان . ففي الوقت الذي التزمت فيه قوات الدعم السريع بالهدنة الإنسانية المعلنة في 24 نوفمبر 2025 ، ووقفت عملياتها الهجومية بالكامل ، واصلت القوات المسلحة السودانية خروقات متعددة استهدفت المدنيين ومرافقهم الأساسية . هذا التباين يعكس انهيارًا في الانضباط العملياتي داخل الجيش مقابل تماسك واضح في سلسلة القيادة لدى الدعم السريع ، ما أعاد ترتيب معادلة الثقة الميدانية والإنسانية أمام المجتمع الدولي .

أظهرت قوات الجيش تصعيد منفلت وانتهاكات ممنهجة تمثلت في القصف العشوائي مما استهدفت المدفعية والمسيرات مناطق مكتظة من معسكرات نازحين ومدارس ومناطق سكنية في جنوب كردفان وغرب كردفان ودارفور ، كان نتيجته خسائر بشرية وتدمير منشآت خدماتية ، في انتهاك مباشر لمبدأ التمييز وحماية المدنيين . أضف إلي ضرب المرافق الحيوية حيث تضررت مراكز صحية ومدارس وملاجئ للنازحين ، بما يؤكد غياب الضبط العملياتي داخل الوحدات المنفذة .

شهدت بورتسودان حملات إعتقلات تعسفية وتوقيف طالت طلابًا ونشطاء ومدنيين على أساس الاشتباه أو الانتماء الإثني ، ما يعكس انحراف الجيش نحو وظيفة أمنية قمعية . كما سجلت حالات الإخفاء القسري واحتجاز دون إعلان المواقع أو السماح للأسر بالوصول للمعلومات ، في خرق صارخ للحقوق الأساسية . اتخذت حكومة بورت سودان سياسة التضييق على النازحين ومنع عبور قوافل الإغاثة وفرض جبايات على الفارّين من مناطق القتال ، ما فاقم الكارثة الإنسانية .

تبنّت شخصيات عسكرية وإعلامية محسوبة على الجيش خطابًا يحرّض على جماعات معينة ، مولدًا بيئة خطرة للجرائم القائمة على الكراهية . نفذت وحدات من الجيش مداهمات ونهبًا في القرى المجاورة بذريعة “الضرورات العسكرية” سجلت هذه انتهاكات ما بعد الانسحاب عقب سقوط بابنوسة وأم روابة .

من الجانب الآخر ألتزمت قوات الدعم السريع بانضباط ميداني وقيادة موحدة تنفيذا والتزام كامل بالهدنة المعلنة من جانبها ، ولم تُسجل عمليات هجومية كبيرة منذ إعلان الهدنة إلا في حالات الدفاع عن النفس ، ما عزز مصداقية الدعم السريع في احترام القانون الدولي الإنساني . يرجع ذلك إلي سلسلة القيادة الموحدة حيث

تُدار القوات عبر مركز قرار واحد ، ما يمنحها قدرة على ضبط الأداء وتنفيذ الأوامر دون تضارب .

تبنت الدعم السريع خطاب قانوني وإنساني واضح عبر

بيانات رسمية تبنت لغة مؤسسية ترتكز على احترام الهدنة وحماية المدنيين والتعاون مع المنظمات الإنسانية ، وهو ما يتماشى مع معايير العمل العسكري المهني ويمنحه أفضلية في التقييم الدولي .

ومن ناحية الاستراتيجية الدفاعية كانت محسوبة حيث اتبعت القوات نمطًا دفاعيًا ينسجم مع الهدنة ويعكس القدرة على إدارة العمليات دون تصعيد ميداني تمثلت في إعطاء العدو مساحة آمنة للانسحاب من أرض المعركة

الفارق بين الطرفين أصبح مؤشرًا سياسيًا واستراتيجيًا على دلالات إنهيار مركزية الجيش مقابل صعود قوة منضبطة . كل هذه أظهرت أزمة قيادة داخل الجيش وفقدان السيطرة على الوحدات ، حيث تحوّل المؤسسة العسكرية من جيش دولة إلى فاعل سياسي يفتقر للانضباط المؤسسي .

صعود الدعم السريع كقوة ذات قيادة موحدة وخطاب منضبط يُسهّل انخراطه في مسارات التفاوض . هذه التحولات ستنعكس مباشرة على طبيعة التقييم الدولي ، وموقع كل طرف في أي عملية تفاوضية قادمة ، واحتمالات التدخل الإنساني الموسّع ، وموازين الشرعية في المشهد السياسي .

الحرب تُكسب بانضباط المؤسسة وقدرتها على احترام الإنسان والقانون ، والأسبوع الأخير كشف ما كان يُخفى من جيش فقد السيطرة ، وانزلق إلى انتهاكات تقوّض شرعيته ، مقابل قوة ميدانية استطاعت تثبيت آليات قيادة وانضباط جعلتها أكثر قابلية للاعتراف الدولي . وإذا استمر هذا التباين ، فإن الخرائط السياسية والعسكرية لن تُرسم في ساحات القتال وحدها وإنما في ملفات الالتزام الإنساني والانضباط المؤسسي… وهي الملفات التي بدأت ترجّح كفة طرف دون الآخر .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!