
الطاهر علي موسي
في عالم السياسة، كثيراً ما تتبدّل المواقف وتتلون الخطابات، لكن أن يجتمع الرفض العلني مع الاحتماء الخفي، فذلك ما يمكن وصفه بـ السيكولوجيا الغريبة، وهي الحالة التي يعيشها تيار الإخوان المسلمين – أو ما يُعرف محلياً بالكيزان – في تعاطيهم مع فكرة الدولة الألمانية أو ما يُسمّى بنظام الحكم القائم على الانضباط الصارم، وسيادة القانون، والمحاسبة بلا استثناء.
ما معنى «السيكولوجيا الغريبة»؟
هي حالة نفسية–سياسية يتناقض فيها القول مع الفعل؛ يرفع صاحبها شعارات معاداة النظام والانضباط، بينما يبحث في الواقع عن مظلة تحميه من الفوضى التي صنعها بنفسه. الكيزان يهاجمون “الألمانية” بوصفها قيداً على الحريات، لكن حقيقتهم أنهم يرفضونها لأنها تكشف الفساد، وتغلق أبواب التحايل، ولا تترك مساحة للنهب المنظّم.
ما هو الحكم الألماني ولماذا يخيفهم؟
الحكم الألماني – كمفهوم إداري وسياسي – لا يعني دولة بعينها، بل يعني:
احترام القانون على الجميع دون حصانة،
مؤسسات قوية لا تخضع للأفراد،
انضباط مالي وإداري صارم،
شفافية ومساءلة حقيقية.
هذه المنظومة لا تصلح للكيانات التي تعيش على الفوضى، ولا تتنفس إلا في بيئات هشة، لأن اللص لا يحب الضوء، والفاسد لا يحتمل النظام.
عيوب الإخوان المسلمين… ولماذا لفظتهم الشعوب؟
التجربة الإخوانية، من تونس إلى مصر، ومن الأردن إلى ليبيا، أثبتت عيوباً بنيوية، أهمها:
تقديم الولاء للتنظيم على حساب الوطن،
توظيف الدين لتحقيق مكاسب سياسية ومالية،
الإقصاء ورفض التعايش مع الآخر،
العجز عن بناء دولة حديثة قائمة على المؤسسات.
لذلك لم تستطع أي دولة أن تتعايش طويلاً مع هذا التيار، فكانت النتيجة الطرد أو العزلة أو السقوط السياسي.
لماذا تنبذهم مصر في الداخل وتحبهم في السودان؟
المفارقة أن مصر، التي لفظت الإخوان في داخلها، لا تخفي ارتياحها لوجودهم في السودان. والسبب واضح:
نظام إسلاموي هش في السودان يخدم مصالح إقليمية، ويضمن استمرار امتيازات تاريخية غير عادلة.
أما قيام دولة سودانية منضبطة، قوية، تحكمها “الألمانية” بمعناها المؤسسي الحقيقي، فذلك يعني فقدان كثير من هذه الامتيازات، وهو ما لا ترغب فيه بعض الدوائر.
السودان وخيار الدولة المنضبطة
اختيار تحالف “تأسيس” لمنهج الدولة المنضبطة لم يأتِ صفقةً ولا مجاملة، بل قناعة بأن الخروج من ظلام العبودية السياسية والاقتصادية لا يتم إلا عبر نظام يحترم الإنسان والقانون والعمل.
تجارب دول أفريقية مثل رواندا وإثيوبيا وكينيا تؤكد أن الانضباط وبناء المؤسسات هو طريق العبور الحقيقي.
اخيراً
الكيزان يرفضون الألمانية لأنهم لا يريدون دولة، بل غنيمة.
أما السودان، فقد آن له أن يختار: إما دولة قانون تحمي الجميع، أو فوضى تحمي الفاسدين.
والتاريخ لا يرحم من يقف في وجه إرادة الشعوب، مهما طال الزمن.




