رأي

حين لم تُؤسَّس الدولة: كيف قاد الفشل التأسيسي السودان إلى الحرب؟

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

ليست الحرب التي يعيشها السودان اليوم انفجاراً مفاجئاً في مسار تاريخي مستقر، ولا انحرافاً طارئاً عن وضع كان قابلاً للاستمرار. ما يحدث هو نتيجة منطقية لمسار طويل من الإخفاقات المتراكمة، ومسلسل ممتد من الهروب الفكري والسياسي عن السؤال الأكثر حساسية وخطورة منذ لحظة الاستقلال: كيف يمكن تأسيس دولة سودانية حديثة، عادلة، وقادرة على استيعاب تعقيد هذا المجتمع وتنوعه؟

منذ عام 1956، لم يكن العجز في غياب الشعارات الوطنية أو ضعف الخطاب السياسي، بل في غياب الجرأة على مواجهة الأسئلة التأسيسية الكبرى، وفي استسهال القفز فوقها مباشرة نحو صراع السلطة، حتى لو استدعى ذلك عسكرة السياسة، أو صناعة المليشيات، أو تحويل الدولة نفسها إلى أداة صراع.

لم تكن الحرب في السودان نقيضاً للسياسة، بل كانت امتداداً لها حين فشلت في أداء وظيفتها الأساسية: تنظيم الاختلاف سلمياً. وكما قال كارل شميت: «حين تعجز السياسة عن إدارة الصراع، يعود الصراع إلى شكله البدائي: القوة». لم تُبنَ في السودان قواعد مشتركة للعبة السياسية، ولا توافقات عليا تحكم التنافس، فصار السلاح هو القاعدة الوحيدة، وتحول العنف من استثناء إلى أداة اعتيادية لإدارة الخلاف.

منذ الاستقلال، لم يُطرح السؤال الجوهري: ما هي الدولة التي نريدها؟ بل ظل السؤال العملي هو: من يحكم الآن؟ وهنا تتجلى المأساة السودانية في أوضح صورها. قضايا الدستور، وطبيعة النظام السياسي، وعلاقة الدين بالدولة، وإدارة التعدد الإثني والثقافي، وموقع الجيش وحدود سلطته، جرى تأجيلها بصورة متعمدة، لا جهلاً بها، بل خوفاً من نتائجها. فالإجابات الصريحة كانت ستفرض قيوداً على النخب، وتحد من امتيازاتها، وتغلق الباب أمام الانقلابات، لذلك كان التأجيل هو الخيار الأسهل، لكنه أيضاً الأكثر تدميراً.

تحولت السياسة من فعل تأسيسي طويل النفس إلى مناورة قصيرة الأمد. لم تُستخدم لبناء الدولة، ولا لترسيخ تحول مدني ديمقراطي، بل استُخدمت لتفادي هذا البناء. كل أزمة عولجت كحادثة معزولة، لا كعرض لخلل بنيوي عميق. وكل صراع جرى اختزاله في أشخاص، لا في بنية. وهكذا تراكم الفشل دون أن يُسمّى باسمه، إلى أن صار الفشل هو القاعدة لا الاستثناء.

النخب السياسية، على اختلاف اتجاهاتها الأيديولوجية، لم تكن ضحية هذا المسار، بل شريكاً رئيسياً فيه. حين عجزت عن إدارة خلافاتها داخل المجال المدني، لجأت إلى الجيش بوصفه حكماً. وحين ضاقت بها صناديق الاقتراع، فتحت أبواب الثكنات. باسم الاستقرار بُررت الانقلابات، وباسم إنقاذ الدولة جرى تسليمها للمؤسسة العسكرية. وكما يقال: «السلطة التي لا يقيّدها الدستور تبحث دائماً عن بندقية تحميها».

السياسة كانت ضعيفة، عاجزة عن إنتاج شرعية مستقرة، وغير راغبة أصلاً في ترسيخ الديمقراطية داخل أحزابها وتنظيماتها. ومع كل انقلاب كانت الدولة تُفرغ من مضمونها أكثر، ويُهمّش الدستور، وتُكسر الحياة الحزبية، ويُعاد تعريف الوطنية على مقاس القوة. وهنا تتجلى مقولة هانا آرنت بوضوح: «حين تحكم القوة، تختفي السياسة». وفي السودان، لم تختف السياسة وحدها، بل اختفى المعنى نفسه لفكرة الدولة.

تدريجياً، لم يعد الجيش أداة في يد الدولة، بل تحولت الدولة إلى ساحة صراع داخل المؤسسة العسكرية نفسها. صراع بلا أفق سياسي، بلا رقابة مدنية، وبلا مساءلة. ومع كل جولة، كان المجتمع هو من يدفع الثمن: قتلاً، وتشريداً، وانهياراً في الثقة، وتمزيقاً للنسيج الاجتماعي. حتى جاءت حرب الخامس عشر من أبريل بوصفها ذروة هذا المسار، لا استثناءً عنه ولا حدثاً مفاجئاً.

غير أن فجيعة الحرب لا تقتصر على الدمار المادي وتشريد الملايين، بل تتجاوز ذلك إلى انكشاف فشل أخلاقي عميق. تصاعد خطاب الكراهية، وتغذية الاصطفاف القبلي والهوياتي، وتقسيم السودانيين إلى معسكرات متقابلة. فشل في حماية المدنيين، وفشل في تقديس الحياة، وفشل في الاعتراف بأن الدولة ليست غنيمة حرب. وكما كتب فالتر بنيامين: «كل وثيقة حضارة تحمل في طياتها وثيقة بربرية». واليوم يرى المواطن السوداني هذه الحقيقة عارية، بلا أقنعة.

تتكرر الكارثة لأن الأسئلة الجوهرية لم تتغير، ولأن الهروب منها تحول إلى ثقافة سياسية راسخة. ظل بناء الدولة مشروعاً مؤجلاً، بينما كانت السلطة مشروعاً عاجلاً. في هذا السياق، ليست الحرب قدراً جغرافياً ولا لعنة تاريخية، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من اللاقرار التأسيسي الوطني، سمح بالوصاية، وفتح الباب واسعاً أمام الأطماع الإقليمية والدولية.

لم يفشل السودان لأنه بلد معقد أو متنوع، بل لأنه بلد تُرك بلا تفكير جاد في أسسه. وما نراه اليوم ليس انهيار دولة مكتملة، بل انكشاف حقيقة دولة لم تُنجز بعد. وكما قال بندكت أندرسون: «الأمم لا تولد، بل تُتخيل، ثم تُبنى أو تُدمَّر». والسودان ظل متخيلاً في الخطاب، لكنه لم يُبنَ بعقد اجتماعي جامع.

كل الحروب والصراعات التي دفعت الشعوب السودانية ثمنها لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج العجز الذي صاحب مرحلة ما بعد الاستعمار، حين فشل وكلاء الاستعمار ثم النخب الوطنية في تأسيس دولة تعبر عن تطلعات المجتمع بتعدده وتنوعه. تفاقم هذا العجز مع صعود حكم أوليغارشي سيطر على المؤسسات العسكرية، وفصّلها على مقاس كيانات بعينها، واحتكر الموارد والقرار، وشيطن أي حركة احتجاجية بوصفها تمرداً يهدد الدولة.

الدولة المركزية القابضة واصلت سياساتها الإقصائية، غير مدركة أن القمع لا يصنع وحدة، وأن الظلم لا ينتج استقراراً. فحرب أبريل كشفت الغبائن التاريخية المتراكمة، وأكدت حقيقة طال إنكارها: الظلم لا يولد إلا سيناريوهات كارثية. وكما قال نيلسون مانديلا: «الحرية لا تعني فقط كسر القيود، بل العيش باحترام كرامة الآخرين».

من هنا، فإن الخروج من المأزق لا يكون بانتصار عسكري لطرف على آخر، بل بمعالجة جذور الأزمة السودانية نفسها. إعادة تعريف الدولة على أسس العدالة والمواطنة المتساوية، الاعتراف بالتعدد، بناء عقد اجتماعي جديد غير قابل للتأجيل، ووضع المؤسسة العسكرية تحت سلطة مدنية ديمقراطية حقيقية.

السودان يقف اليوم أمام لحظة فاصلة: إما مواجهة الأسئلة التي هرب منها طويلاً، أو الاستمرار في دفع ثمن هذا الهروب دماً ودماراً. فالدولة التي لم تُؤسَّس على أسس عادلة لا تحميها البنادق، والدولة التي تُبنى على الإقصاء لا تصمد مهما طال عمرها. وما لم يُنجز مشروع الدولة الآن، فإن ما يتعرض للانفجار ليس حرباً واحدة، بل مستقبل وطن بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!