رأي

في زمن الإفلاس … والسودان كأصولٍ تفاوضية لمصر

عمار نجم الدين

 

 عمار نجم الدين

ما لِمِصرَ لا تُنقِذُ الأيامُ صورتَها

وقد تهاوى على أبوابِها الزمنُ؟

كانت إذا ما ضاقَ الدهرُ اتَّسعتْ

واليومَ ضاقَ بها التاريخُ والمِحَنُ

— ابن نباتة المصري

في البدء، لا تحتاج مصر إلى خصوم خارجيين كي تضعف؛ يكفي أن تنظر في مرآة أرقامها… ثم تكسر المرآة.

الدولة التي عرفت معنى المركز، ومعنى الفائض الحضاري، باتت اليوم أسيرة معادلة بسيطة تُدار بعقلية معقّدة: الدَّين مقابل السياسة، والوساطة مقابل الابتزاز، والخطوط الحمراء مقابل شيكات مفتوحة. وليس هذا المقال في كراهية مصر، بل في قراءة دولةٍ كبرى حين تدخل طور العجز البنيوي، فتتوقف عن حل أزماتها، وتبدأ في تصديرها للآخرين.

القطاع المصرفي المصري يواجه موجة استحقاقات لشهادات ادخار بتريليونات الجنيهات، بعوائد تتراوح بين 23% و27%. هذه ليست سياسة مالية، بل رهان كازينو: إمّا السداد، أو الطباعة بلا غطاء، أو التأجيل مع رفع الصوت السياسي. وفي ظل دين خارجي بلغ 161.2 مليار دولار منتصف 2025 (1)، وأقساط وفوائد تمثل 65% من الإنفاق العام و142% من الإيرادات (2)، تصبح الدولة مثل من يقترض ليشتري حبلًا… ثم يشتكي من ضيق التنفّس.

هنا يدخل السودان، لا كجار، ولا كملف إنساني، بل كأصل قابل للرهن. فالسودان، في العقل السياسي المصري اليوم، لم يعد وطنًا جارًا، بل أصلًا تفاوضيًا: يُرهَن حينًا، ويُلوَّح به حينًا، ويُستخدم لإقصاء الآخرين من الطاولة… تمامًا كما تُدار الأصول حين يضيق الخزنة. وجود الإمارات والسعودية والولايات المتحدة — وهم أكبر دائنين وممولين لمصر — داخل الرباعية (3)، حوّل الوساطة إلى جلسة غير معلنة من هذا النوع: ادفعوا نهدّئ، تأخرتم نُطيل الحرب.

الطلب المصري واضح وإن كُتب بحبر دبلوماسي: دعم مالي مقابل السلام في السودان، وضمان مصالح اقتصادية مصرية بعد الحرب، والأهم حكومة سودانية لا “تزعل” مصر في ملف سد النهضة. والمضحك المبكي أن سد النهضة — بحساب العلم لا الخطاب — يفيد السودانيين أكثر من الإثيوبيين أنفسهم (9)، لكن في السياسة المصرية لا يُقاس الماء بالأرقام بل بالهواجس.

في ذروة هذا الضعف، خرجت القاهرة لتعلن عن «خطوطها الحمراء في السودان». مشهد يستحق التأمل. دولة تغرق في الديون، تشرب من النيل بالقطارة، وتعيش على ودائع الآخرين، تقف فجأة في شرفة القصر وتقول: هنا خط أحمر، وهناك خط أخضر، وهنا نقرر مصير السودان. أي خطوط حمراء هذه؟ خطوط الكهرباء المقطوعة؟ خطوط المياه الناقصة؟ أم خطوط الحسابات البنكية المعلّقة بمزاج الدائنين؟ لغة التهديد هذه ليست لغة قوة، بل لغة من يقول — كما في المثل المصري — عليَّ وعلى أعدائي، وكما نقول نحن في السودان بلا تزيين: يا فيها… يا نِفسيها. أي إمّا نحصل على السودان كما نريد، أو نترك الحريق شغال. أن يُقال هذا الكلام من دولة وسيط، فهذه ليست وساطة… هذا إنذار إخلاء سياسي.

المشكلة أن هذا الابتزاز مكشوف، ومخالبه من ورق. أي دولة من دول الرباعية لو قالت لمصر: خلينا نراجع الودائع، أو نُجدول الديون فورًا، فإن القاهرة — كما يقول السودانيون — تغرق السيّي في شبر موية. وهذا ليس تحليل خصوم، بل فلسفة حكم معترف بها. ففي تسريب فبراير 2015 قالها السيسي بلا مواربة: «ما يدفعوا… عندهم الفلوس زي الرز» (11) — جملة تختصر كيف ترى السلطة في القاهرة الخليج: خزنة، لا شريكًا. على أثرها انتشر حينها وسم #السيسي_يحتقر_الخليج. جملة قصيرة، لكنها تشرح كل شيء: الدعم ليس شراكة، بل حق مكتسب، والوساطة ليست التزامًا، بل فاتورة.

وفوق كل ذلك، تعيش مصر فقرًا مائيًا وجوديًا: نصيب الفرد أقل من 600 متر مكعب سنويًا (7)، وعجز يصل إلى 20 مليار متر مكعب (8)، وتوقعات بالهبوط إلى 366 مترًا مكعبًا بحلول 2050 (9). دولة بهذا الوضع لا تفاوض من موقع قوة، بل من موقع خوف… والخائف حين لا يُصلح بيته، يبدأ في تهديد بيوت الآخرين.

السودان ليس صرافًا آليًا لأزمة مصر، ولا ورقة ضغط في ملف السد، ولا دفتر شيكات لإنقاذ اقتصادٍ لم يُصلِح نفسه. ومن يظن أن رسم «خطوط حمراء» على أرض غيره سيُنقذ دولته من الغرق، ينسى حقيقة واحدة: الخطوط لا تمنع السقوط… إذا كانت الأرض نفسها رخوة.

الهوامش

(1) البنك المركزي المصري، تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري، بيانات الدين الخارجي حتى الربع الثاني 2025.

(2) وزارة المالية المصرية، البيان المالي لموازنة 2024/2025، بند خدمة الدين.

(3) صندوق النقد الدولي (IMF)، IMF Country Reports: Egypt، 2024–2025.

(7) UN-Water، تقارير خط الفقر المائي ونصيب الفرد من المياه.

(8) FAO، تقارير العجز المائي والأمن المائي في مصر.

(9) IWMI، دراسات تأثير سد النهضة على دول الحوض، ومؤشرات المياه المستقبلية.

(11) تسريبات صوتية منسوبة لعبد الفتاح السيسي، فبراير 2015، مرجع خطابي–سياسي متداول إعلاميًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!