
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
تقرير المصير ليس مفهوماً يُوظَّف عند الغضب ولا أداة تُستخدم عند فشل الدولة أو عجز نخبها. بل هو مفهوم قانوني صارم نشأ في سياق تاريخي محدد ووُضع أساساً لحماية الشعوب من السيطرة الأجنبية لا لتفكيك الدول هرباً من المحاسبة. أخطر ما يُمارس اليوم في السودان هو محاولة توظيف هذا الحق النبيل خارج شروطه ليصبح وسيلة لإغلاق ملف الجرائم لا لفتح باب العدالة.
1. تقرير المصير في القانون الدولي
تقرير المصير كما ورد في:
المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة
المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية
لا يعني تلقائياً الانفصال، بل يُمارس أساساً كتقرير مصير داخلي يشمل:
المشاركة السياسية
الحكم الذاتي
الفيدرالية
تقاسم السلطة والثروة
بناء دولة تمثل مواطنيها
أما الانفصال فهو استثناء نادر لا يُقبل إلا بشروط مشددة.
2. متى يُقبل الانفصال قانوناً
الاستعمار الأجنبي المباشر
الاحتلال العسكري الخارجي
الحرمان الكامل والدائم من الحقوق مع استحالة أي حل داخلي
شروط الانفصال العلاجي:
إنكار تام للمشاركة السياسية
غياب أي تمثيل حقيقي
استنفاد كل أشكال الحكم الذاتي
وجود قيادة موحدة ومفوضة تمثل الإقليم
حتى في هذه الحالات يبقى الانفصال آخر الحلول، لا أولها.
3. دارفور ومطابقة الشروط
دارفور ليست إقليماً مستعمَراً
ليست تحت احتلال أجنبي
لم تكن كياناً خارج الدولة السودانية
الجرائم التي ارتُكبت في دارفور جاءت من داخل الدولة نفسها عبر:
أجهزة رسمية وقيادة مركزية نفذت الأعمال العنيفة وغطتها
سلطة مركزية خططت وغطّت وأنكرت
4. مخاطر الانفصال على العدالة
إعادة تعريف الجريمة من جريمة دولة ضد مواطنيها إلى نزاع سياسي سابق بين كيانين
إسقاط التبعات القانونية وتحويل العدالة من واجب إلى ملف تفاوض
المستفيد الحقيقي هم الجناة ومن وفّر الغطاء السياسي
5. قاعدة قانونية مهمة
تقرير المصير لا يُمارس بالإنابة
لا تملكه نخب أو جماعات سياسية دون تفويض صريح
أي دعوة لانفصال دارفور بدون استفتاء حر وتمثيل جامع وبرنامج قانوني واضح هي دعوة سياسية، لا ممارسة لحق قانوني
6. دروس من التجارب الدولية
جنوب السودان: الانفصال لم يحاسب النخب ولم يوقف العنف ولم يُبنَ الدولة
كتالونيا، كيبيك، كردستان العراق: فشلت محاولات الانفصال رغم وجود مظالم، لأن المجتمع الدولي لا يكافئ التفكك بل يدفع نحو الإصلاح الداخلي
7. ما تحتاجه دارفور فعلاً
تفكيك مركز الجريمة
محاسبة من قتل وشرّد
دولة قانون على أساس المواطنة
عدالة انتقالية بلا مساومة
تقرير المصير حق، لكن استعماله خارج شروطه خديعة، ودعوة فصل دارفور ليست شجاعة سياسية بل هروب محسوب من العدالة. الشعوب التي دفعت الدم لا تقبل حلولاً تُبرئ الجناة مهما بدا خطابها منمقاً.
8. الخاتمة التوعوية
تقرير المصير ليس وسيلة لتبرئة الجناة ولا ورقة لتغطية الجرائم، بل حق صارم يُمارس فقط في الحالات الاستثنائية المحددة بالقانون الدولي. الانفصال لا يُعالج الجرائم ولا يحمي الحقوق، ودارفور لا تنطبق عليها هذه الشروط.
أي دعوة لفصل دارفور من قبل من يعلم أنه لا يملك الحق القانوني، وأن الشروط المطلوبة للانفصال غير متوفرة، هي خدعة سياسية صريحة. هذه المطالبات لا تهدف لحماية الحقوق أو تحقيق العدالة، بل لتحويل الضحية إلى أداة في لعبة سياسية تخدم مصالح الجناة ومن وفّر لهم الغطاء السياسي.
كل جريمة لم تُحاسَب عليها الدولة، وكل ظلم لم يُعالج، لا يمكن تبرئته بتغيير الخرائط أو إقامة حدود جديدة. القوة الحقيقية تكمن في ممارسة الحقوق داخل الدولة، عبر المحاسبة وإعادة بناء مؤسسات قانونية تحمي المواطنين وتضمن العدالة، لا عبر التفكيك والانفصال.
دارفور ليست مشروع انفصال، بل مشروع حياة وعدالة ومواطنة حقيقية. أي محاولة لاستغلال حق تقرير المصير خارج شروطه القانونية هي خدعة سياسية تهدف إلى إخفاء المسؤولية عن الجناة وتصفية القضية باسم الحل. الحفاظ على الحقوق وتحقيق العدالة يتطلب وعي بنهج القانون، وفهم أن الحلول الحقيقية لا تأتي عبر الانفصال، بل عبر مواجهة المسؤولين عن الجرائم ومحاسبتهم داخل إطار الدولة.
درب الانفصال قانوني لا يتسق مع خداع النخب السياسي.



