تقارير وتحقيقات

الجيش أمام طاولة الهدنة خيارات صفرية في زمن المراوغة وانكشاف الميدان

التنوير .. تقرير خاص

 

التنوير  تقرير خاص

يجد الجيش السوداني نفسه اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً وحساسية منذ اندلاع الحرب قبل نحو ثلاث سنوات، وهو يقترب – مكرهاً لا مختاراً – من طاولة الهدنة، في ظل تراجع عسكري واسع النطاق، وضغوط إنسانية غير مسبوقة، وانقسامات داخلية تضرب بنية السلطة القائمة في بورتسودان. اجتماع مجلس الأمن والدفاع لحكومة الأمر الواقع، المقرر انعقاده اليوم الأربعاء، لا يأتي بوصفه حدثاً روتينياً أو محطة سياسية عابرة، بل كاستحقاق فرضته معادلات الميدان وميزان القوة المتبدل، وليس المبادرات الدبلوماسية وحدها.

يناقش المجلس المقترح الأميركي–السعودي الجديد للهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار، إلى جانب آليات توصيل المساعدات لأكثر من 23 مليون سوداني يحتاجون دعماً إنسانياً عاجلاً وفق تقديرات الأمم المتحدة. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بقبول أو رفض المبادرة، بل بطبيعة الخيارات المتاحة للجيش في لحظة تقلصت فيها هوامش المناورة، وتحوّلت فيها الهدنة من ورقة سياسية إلى ضرورة وجودية.

مقترح الهدنة… من مبادرة دبلوماسية إلى اختبار مصيري

يمثل المقترح الأميركي–السعودي أحدث محاولة دولية لوقف الحرب المستمرة منذ ما يقارب ثلاثة أعوام، بعد سلسلة طويلة من المبادرات التي أخفقت في إحداث اختراق حقيقي. ووفقاً لمصادر حكومية، فإن المبادرة الجديدة تركز على إعلان هدنة إنسانية شاملة، تتضمن وقفاً لإطلاق النار، وضمانات لفتح الممرات الإنسانية، وتسهيل وصول الإغاثة إلى المناطق المحاصرة والمتأثرة بالعمليات العسكرية.

لكن خصوصية هذا المقترح لا تكمن في بنوده فحسب، بل في توقيته. فالجيش السوداني يناقشه في وقت يشهد فيه تراجعاً ميدانياً كبيراً، وتآكلاً في قدرته على فرض شروطه السياسية والعسكرية. وهو ما يجعل خيار الرفض أكثر كلفة من أي وقت مضى، ويضع القيادة العسكرية أمام اختبار حقيقي بين الخطاب السيادي والواقع الميداني.

وكان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان قد رفض في وقت سابق مقترحاً قدمته «الرباعية الدولية» التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، واعتبره «غير مقبول» بحجة عدم حيادية الأطراف الراعية. غير أن مصادر مطلعة تشير إلى أن المشهد تغيّر جذرياً منذ ذلك الرفض، وأن ميزان القوة لم يعد يسمح بتكرار سيناريو التعطيل والمماطلة ذاته.

 تراجع الميدان… سقوط الجغرافيا وانكشاف العمق الاستراتيجي

تزامن اجتماع مجلس الأمن والدفاع مع تطورات ميدانية وُصفت بالأخطر منذ اندلاع الحرب. فقد خسر الجيش مساحات جغرافية واسعة في إقليم كردفان، عقب سقوط مدينة بابنوسة الاستراتيجية، وما تبع ذلك من سيطرة قوات الدعم السريع على حقول هجليج النفطية، إحدى أهم المنشآت الاقتصادية في البلاد.

ويمثل هذا التطور ضربة مزدوجة للجيش، عسكرياً واقتصادياً، إذ لا تعني خسارة هجليج فقدان مورد نفطي فحسب، بل تعني أيضاً تراجعاً في القدرة على تمويل العمليات العسكرية، وتعميق الأزمة الاقتصادية لحكومة الأمر الواقع في بورتسودان.

في السياق ذاته، تمكنت قوات الدعم السريع من إحكام الحصار على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، بما يضع واحدة من أكبر المدن السودانية على شفير كارثة إنسانية. كما يستمر الحصار المفروض على مدينتي كادوقلي والدلنج بولاية جنوب كردفان، وسط تقارير عن نقص حاد في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

وتتحدث مصادر عسكرية عن تقدم جديد لقوات الدعم السريع باتجاه تخوم غرب أم درمان، وهو تطور يُنذر بفتح جبهة واسعة في قلب المثلث الحضري، ويعيد إلى الأذهان مشاهد المعارك الضارية التي شهدتها العاصمة في الأشهر الأولى للحرب، ولكن هذه المرة في ظل اختلال أكبر في ميزان القوة.

 قراءة عسكرية… هل يتكرر سيناريو الخرطوم؟

 

يقول خبير عسكري تحدث لـ«التنوير» إن اقتراب قوات الدعم السريع من مدينة أم درمان يشكل ضغطاً استراتيجياً بالغ الخطورة على الجيش، وقد يفتح الباب أمام تكرار سيناريو عودة هذه القوات إلى الخرطوم بصورة أوسع وأكثر تنظيماً.

ويضيف الخبير أن المعطيات العسكرية تغيّرت جذرياً مقارنة بالفترة السابقة، مشيراً إلى أن قوات الدعم السريع تمكنت من إحداث تطور نوعي في بنيتها القتالية، وبناء خطوط إمداد ممتدة وفعالة، إلى جانب امتلاكها أسلحة نوعية قادرة على إحداث فارق ميداني واضح.

وبحسب التقديرات العسكرية، فإن استمرار التقدم في كردفان، والاقتراب من أم درمان، يعني أن الجيش بات يخوض معركة دفاعية متعددة الجبهات، في وقت يعاني فيه من نقص في الإمداد، وتراجع في الروح المعنوية، وتضييق الخناق على مواقعه الاستراتيجية.

ويحذر الخبير من أن أي تأخير في اتخاذ قرار سياسي بوقف إطلاق النار قد يقود إلى انهيارات ميدانية متسارعة، خصوصاً إذا تمكنت قوات الدعم السريع من ربط جبهات كردفان بغرب أم درمان، ما يخلق طوقاً نارياً حول العاصمة ومراكز الثقل السياسي والعسكري.

 الأزمة الإنسانية… 23 مليون سوداني بين الحرب والخذلان

في خلفية المشهد العسكري والسياسي، تتفاقم الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة. تشير التقديرات الدولية إلى أن أكثر من 23 مليون سوداني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في ظل انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية، ونزوح داخلي وخارجي واسع النطاق.

الحصار المفروض على المدن الكبرى، وتدمير البنية التحتية، وتعطّل سلاسل الإمداد، كلها عوامل حولت السودان إلى واحدة من أسوأ بؤر الأزمات الإنسانية في العالم. ومع ذلك، ظلت الممرات الإنسانية رهينة للتجاذبات السياسية والمواقف العسكرية، حيث فشلت معظم محاولات إيصال الإغاثة بسبب استمرار القتال وغياب الضمانات الأمنية.

ويضع المقترح الأميركي–السعودي ملف المساعدات الإنسانية في صلب الهدنة، باعتباره مدخلاً إلزامياً لأي وقف لإطلاق النار. غير أن مراقبين يرون أن توظيف الملف الإنساني كأداة سياسية، أو ربطه بالحسابات العسكرية، لن يؤدي إلا إلى مزيد من المآسي، وسيضاعف من الضغط الدولي على الحكومة القائمة في بورتسودان.

بورتسودان… انقسامات السلطة وضيق هامش المناورة

إلى جانب التحديات العسكرية والإنسانية، تواجه حكومة الأمر الواقع في بورتسودان أزمة داخلية متصاعدة. تشير تقارير إعلامية ومصادر سياسية إلى وجود انقسامات حادة داخل مكونات السلطة، بين تيارات تدفع نحو قبول الهدنة كخيار اضطراري، وأخرى ترى في أي وقف لإطلاق النار تنازلاً سياسياً غير مقبول.

هذه الانقسامات تعكس حالة ارتباك عميقة في مركز القرار، وتضعف قدرة الحكومة على اتخاذ موقف موحد في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة. كما أنها تكشف عن تآكل الخطاب الذي ظل يراهن على الحسم العسكري، في وقت لم يعد فيه هذا الخيار واقعياً وفق معطيات الميدان.

ويرى محللون أن الحكومة فقدت إلى حد كبير قدرتها على المناورة، وأن الخيارات باتت «صفرية»: إما القبول بالهدنة بشروط المجتمع الدولي، أو الاستمرار في الحرب مع ما يحمله ذلك من مخاطر الانهيار العسكري وتفكك ما تبقى من مؤسسات الدولة.

الهدنة كضرورة لا كخيار

لم تعد الهدنة اليوم مسألة تكتيكية أو مناورة سياسية، بل تحولت إلى ضرورة تفرضها الوقائع على الأرض. فالجيش السوداني، وهو يجلس أمام طاولة البحث في المقترح الأميركي–السعودي، لا يفعل ذلك من موقع قوة، بل من موقع تحاصره الجغرافيا، وتضغط عليه الكارثة الإنسانية، وتحدّه الانقسامات الداخلية.

وفي لحظة تاريخية كهذه، قد يكون السؤال الأهم ليس: هل يقبل الجيش بالهدنة؟ بل: ماذا سيحدث إن استمر في رفضها؟ الإجابة، وفق ما تشير إليه المؤشرات، قد تكون أكثر كلفة على البلاد والعباد، وتفتح الباب أمام سيناريوهات أشد قتامة، في وطن أنهكته الحرب، ودفعت به إلى حافة الانهيار الشامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!