حميدتي وكسر مركزية الدولة: الكاريزما القادمة من الهامش وإعادة تعريف القيادة الوطنية في السودان
عبد الرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا

عبد الرحمن أبو رندة .. بنسلفانيا
حين يُذكر اسم محمد حمدان دقلو «حميدتي» في النقاش العام، تنكشف على الفور أزمة أعمق من مجرد اختلاف سياسي؛ إنها أزمة تصوّر الدولة نفسها، ومن يملك حق قيادتها. فجزء معتبر من النخبة السودانية ما يزال أسير فكرة قديمة، ترى القيادة امتيازًا وراثيًا لمركز بعينه، ولأسماء بعينها، لا مشروعًا وطنيًا مفتوحًا لكل من يملك الإرادة والقدرة. من هنا يصبح حميدتي، قبل أن يكون شخصًا، دلالة سياسية تهز هذه المسلّمات الراسخة
ما يثير حفيظة خصومه ليس قراراته وحدها، بل الرمز الذي يجسده: قائد صعد من الهامش، لا باعتباره تابعًا أو أداة، بل بوصفه فاعلًا رئيسيًا في معادلة التغيير. لقد أربك هذا الصعود بنية الدولة القديمة، التي اعتادت احتكار القوة والقرار، واعتادت قبل ذلك تعريف الوطنية وفق مقاسات اجتماعية وتاريخية ضيقة. لذلك تتكثف السرديات التي تحاول نفي شرعيته، أو اختزاله في صورة نمطية، لأنها في حقيقتها تدافع عن مركزٍ ينهار أكثر مما تهاجم رجلًا بعينه.
منذ انحيازه المبكر لثورة ديسمبر، شكّل حميدتي نقطة تماس بين الشارع الثائر ومؤسسات القوة. لم يكن حضوره بلا تناقضات، لكنه كان حضورًا لا يمكن القفز فوقه. وعندما أقرّ بخطأ انقلاب 25 أكتوبر، واعتذر عنه علنًا، فتح بابًا نادرًا في السياسة السودانية، باب المراجعة والمساءلة الذاتية. هذه اللحظة، التي استهان بها خصومه، شكّلت لدى قطاعات واسعة دلالة أخلاقية وسياسية في آن واحد: قائد يعترف، لا يراوغ؛ ويخاطب الناس بلغة مباشرة، لا بلغة الوصاية.
في خضم حرب 15 أبريل، تعمّق هذا البعد الرمزي. فالصراع لم يعد صراع مواقع فقط، بل صراع روايات: رواية دولة قديمة تحتمي بالمركز، ورواية جديدة ترى في الهامش قوة تأسيس لا تهديدًا. هنا برز حميدتي بوصفه عنوانًا لكسر تلك الثنائية الزائفة التي طالما حكمت السودان: مركز «متحضّر» وهامش «تابع». لقد تحولت الكاريزما، في هذه اللحظة، من صفة شخصية إلى أداة اتصال سياسي، تربط بين القيادة وقواعد اجتماعية لطالما شعرت أنها خارج الحساب.
قوة حميدتي لا تكمن في الخطابة ولا في الأيديولوجيا، بل في بساطة الخطاب وقربه من التجربة المعيشة لملايين السودانيين. إنه يتحدث بلغة يفهمها الناس، ويخاطب إحساسهم بالغبن والحرمان، لا من موقع المتعالي، بل من موقع من عرف الهامش وعاشه. لهذا السبب التفّت حوله قطاعات ترى فيه إمكانية لإعادة تعريف الدولة على أساس الشراكة لا الإقصاء.
إن الدلالة الأهم في تجربة حميدتي هي أنها كسرت محرّمًا سياسيًا ظل قائمًا لعقود: أن القيادة لا تأتي إلا من الأعلى. لقد أعاد فتح السؤال الجوهري: من يصنع الشرعية؟ النسب والتاريخ، أم الفعل والتأثير؟ في هذا المعنى، يصبح الجدل حوله جزءًا من مخاض أوسع، مخاض الانتقال من دولة المركز المغلق إلى دولة متعددة تعترف بكل أبنائها.
ليس مطلوبًا الاتفاق مع حميدتي في كل شيء، لكن تجاهل دلالته السياسية خطأ فادح. فهو اليوم علامة على تحوّل لا رجعة فيه، عنوانه أن السودان الجديد لن يُدار بعقلية قديمة. وبين القبول والرفض، تبقى الحقيقة الأوضح: حميدتي أصبح جزءًا من سؤال المستقبل، ومن معادلة التحول الوطني، شاء من شاء وأبى من أبى.



