
يوسف مادري (تكلة)
ليست هذه الحرب نزاعًا على مقاعد دراسة، ولا معركة خدمات، ولا سباقًا على سلطةٍ زائلة يتناوب عليها المتنافسون.
إنها حرب على المعنى نفسه” على حق الإنسان في أن يكون كما هو، لا كما يُراد له أن يكون، على حقّه في أن يُسمّى باسمه، وأن تُروى قصته بصوته، لا بلسان من صادروا مستقبله، ولا برواية جلّاده.
ما يجري لا يمكن اختزاله في ثنائية سطحية من قبيل “سلام أو حرب”، كما تفعل العناوين السريعة والخطابات الجاهزة.
إنه صراعٌ أعمق من ذلك بكثير:
صراع بين الوجود والعدم، بين أن تحيا واقفًا بثمنٍ باهظ، أو تعيش منحنِيًا حتى يتآكلك النسيان وتذوب في هوامش التاريخ.
في مثل هذه اللحظات المصيرية، يفقد الحياد معناه الأخلاقي، ويتحوّل إلى تواطؤٍ صامت مع الظلم، كما أن الصمت لم يعد خيارًا آمنًا، بل موقفًا محسوبًا يحمل مسؤوليته صاحبه، أما التراجع فليس نجاةً كما يُصوَّر، بل تأجيلٌ للفناء بثمنٍ نفسي ووجودي باهظ.
هذه حرب فُرضت على الناس لا لأنهم طلبوها، ولا لأنهم سعوا إليها، بل لأن وجودهم نفسه أصبح مرفوضًا.
لأن هويتهم تُزعج، وصوتهم يُقلق،
وحضورهم يقف عائقًا أمام مشاريع الإقصاء وإعادة الهندسة القسرية للإنسان والمجتمع.
وحين يصبح وجود الإنسان جريمة، تصبح المقاومة حقًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تبرير، ويغدو الدفاع عن البقاء واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.
إنها ليست معركة من أجل الموت، بل دفاعا عن الحياة بمعناها الكريم.
وليست تمجيدًا للعنف، بل رفضٌ لأن يُفرض الفناء باسم الاستقرار، أو أن تُختطف الكرامة تحت ذريعة “الواقعية” في هذه اللحظة الفارقة، يقف الإنسان أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن يُقاتل ليبقى كما هو “حرًّا كاملًا غير قابل للمحو أو التدجين، أو أن يُسلِّم نفسه لمن سيعيد تشكيله حتى لا يعود هو، بل نسخةً مشوّهة، خالية من الذاكرة والملامح والجوهر.
هذه ليست معركة حدود أو نفوذ، بل معركة هوية وكرامة وحق في الوجود، معركة الإنسان حين يُخيَّر بين أن يكون…أو أن يُمحى.




