
نجم الدين دريسة
إن أخطر أعداء الأفكار العظيمة هم أولئك الذين يدّعون حمايتها
الذي قادني لتناول هذا الموضوع ليس رغبة في إثارة الجدل ولا بحثاً عن موقع في ساحة صاخبة، وإنما جاءت الفكرة نتيجة اتصالات عديدة من حادبين ومخلصين على مشروع التغيير، عبّروا بقلق صادق عن مسار يتشكل، وأخطاء تتراكم، ومناخ بدأ يضيق فيه صدر المشروع نفسه بالنقد والاختلاف. وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.
في الآونة الأخيرة برز خطاب مثير للجدل حول الأداء العام لمشروع التغيير، خطاب لم يأتِ من خصومه التقليديين، بل من داخله، من أصوات آمنت به وضحّت من أجله، لكنها توقفت لتسأل: إلى أين نمضي؟ وكيف نُدار؟ ولماذا تحوّل النقد إلى تهمة؟ هذه الأسئلة وحدها كانت كافية لإشعال موجة من التخوين، وفتح أبواب الاتهام الجاهز لكل من يخرج عن النسق المركزي القابض الذي بدأ يخنق العمل السياسي والمدني باسم “حماية المشروع”.
إن أكثر ما يثير القلق في هذا المشهد ليس وجود خلافات، فالخلاف ظاهرة صحية في أي مشروع حي، وإنما الطريقة التي يُدار بها الخلاف. فبدلاً من النقاش والحوار، يتم اللجوء إلى اغتيال الشخصية، ومصادرة الرأي، وأحياناً تصنيف المختلفين كخطر وجودي على المشروع. هذا السلوك، للأسف، هو السلوك ذاته الذي درجت عليه الأنظمة الأيديولوجية والعقائدية عبر التاريخ، حيث يتحول المشروع من فكرة جامعة إلى عقيدة مغلقة، ومن أداة للتحرر إلى وسيلة للإقصاء.
حين كتبت مقالاً عن “أزمة العقل العشائري”، لم يكن القصد التشهير بأحد، ولا جلد جماعة بعينها، بل محاولة لفهم أحد أعطابنا البنيوية التي تتسلل إلى السياسة والعمل العام. وقد وجد المقال نقاشاً واسعاً وسط المثقفين السودانيين، وهو أمر صحي ومطلوب. لكن ما كان لافتاً هو ظهور “نيران صديقة” رافضة لمجرد الخوض في مثل هذه القضايا، دون تقديم حجة منطقية أو أساس موضوعي يبرر هذا الرفض. وكأن مجرد طرح السؤال بات جريمة، وكأن التفكير النقدي صار ترفاً لا يليق بـ“المرحلة”.
حرية الرأي ليست قيمة هامشية يمكن تأجيلها إلى ما بعد “النصر”، بل هي شرط أساسي لسلامة أي مشروع تغيير. إن وجود أصوات ناقدة من داخل المشروع هو دليل عافية، لا علامة خيانة. فهؤلاء الذين يجهرون بالنقد الموضوعي لا يفعلون ذلك لهدم المشروع، بل خوفاً عليه من الانزلاق إلى مهاوٍ قد تقود إلى سيناريوهات كارثية، نعرفها جيداً من تجارب سابقة.
إن مشروع التغيير، قبل أن تحرسه البندقية، يجب أن تحرسه الأفكار الواضحة، والرؤى المتماسكة، والعقلية النقدية التي لا تميل إلى التمجيد الأعمى، ولا تتماهى مع أي تفكير مركزي يصادر المشروع لصالح مجموعات ضيقة. فالتاريخ علمنا أن المشاريع التي تُحاط بهالة من القداسة، وتُمنع من النقد، تبدأ في التحلل من الداخل قبل أن تسقط من الخارج.
التنوع الهائل الذي يزخر به مشروع التغيير ليس عبئاً، بل هو مصدر قوته الحقيقية. غير أن هذا التنوع يحتاج إلى إدارة ذكية وحذرة، تستصحب الاختلاف بوصفه قيمة، لا تهديداً. حين يُختزل المشروع في صوت واحد، أو رؤية واحدة، أو مركز واحد، فإنه يفقد روحه، ويتحول إلى نسخة مشوهة من الأنظمة التي خرج الناس يوماً لإسقاطها.
حالات الاحتجاج التي اعترت المشهد لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة تراكم أخطاء تجاوزت الحد، وأوصلت البعض إلى أن “يأجروا بالشكوى”، كما يقول المثل. هنا لا بد من التوقف والاستماع، لا للهجوم والتخوين. فكما يقال: “نصف رأيك عند أخيك”، والمثل الشعبي البليغ يختصر الكثير حين يقول: “العود لو ما فيهو شق ما بقول طق”. الأصوات الغاضبة ليست كلها مؤامرة، وبعضها جرس إنذار يجب ألا يُكسر.
هناك قاعدة ذهبية في احترام الآراء ووجهات النظر تقول: قد أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد أن أضحي بحياتي من أجل أن تقول رأيك بحرية. هذه ليست عبارة رومانسية، بل جوهر أي مشروع يسعى إلى التحرر الحقيقي. فالحرية، كالشمس، إذا حُجبت كان الضرر أوسع وأعمق. ولا يمكن لمشروع يرفع شعار التغيير أن يخاف من الضوء.
ومن بديهيات التفكير السليم أن نعترف بأن “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. فالنقاش ليس معركة كسر عظم، بل بحث جاد عن أرضية توافقية. نتفق فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا عليه، ونحتكم في نهاية المطاف إلى أنظمة وتشريعات تمثل مرجعيتنا المشتركة، لا إلى أمزجة أو مراكز قوة.
للأسف، الأخطاء في مشروع التغيير باتت “على قفا من يشيل”، وهذا يستدعي دق ناقوس الخطر بجرأة ومسؤولية. فالصمت هنا ليس حكمة، بل تواطؤ غير مقصود. وإذا لم نتدارك هذه الاختلالات الآن، فقد نجد أنفسنا نستبدل واقعاً مأزوماً بواقع أسوأ، ونكرر أخطاء 1956 ولكن بثوب جديد وشعارات مختلفة.
إن مشروع التغيير لا يحتاج إلى حراس بوابات يمنعون الأسئلة، بل إلى عقول مفتوحة تتسع للنقد، وقلوب شجاعة تعترف بالأخطاء، وإرادة صادقة تعيد تصويب المسار. وحده هذا الطريق يمكن أن ينقذ الفكرة من التحول إلى نقيضها، ويجعل التغيير وعداً حقيقياً لا وهماً مؤجلاً.




