الهدنة المقترحة من الرباعية الدولية في السودان: آليات الضمانات وإشكالية اختطاف القرار العسكري
سهيبه مريش ،، نيالا

سهيبه مريش ،،، نيالا
يشهد السودان منذ أبريل 2023 صراعًا مسلحًا مدمرًا بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، مما أدى إلى انهيار شبه كامل للدولة وتفاقم الأزمة الإنسانية. في خضم هذا الصراع، تبرز محاولات الوساطة الدولية كضرورة ملحة لوقف نزيف الدم، وكان آخرها المبادرات التي طرحتها مجموعة دول جوار السودان والرباعية الدولية (التي تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج والاتحاد الأوروبي). إن أي هدنة مقترحة تحمل في طياتها وعودًا بوقف إطلاق النار، ولكن نجاحها يتوقف على مدى قوة آلياتها وآليات ضمان تنفيذها، خاصة في ظل المعطيات السياسية والعسكرية المعقدة التي تحكم المشهد، وعلى رأسها مسألة اختطاف القرار داخل المؤسسة العسكرية.
إن الهدف الأساسي من أي وساطة دولية، بما في ذلك تلك التي تطرحها الرباعية، هو الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار يمهد لمفاوضات شاملة لحل سياسي. الآليات المقترحة عادة ما ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: الإطار الزمني لوقف القتال، فصل القوات ومراقبة الانسحاب، وتوفير ضمانات دولية ومحلية للتنفيذ. فعندما تطرح الرباعية رؤية للهدنة، فإنها غالبًا ما تتضمن مراحل متدرجة، تبدأ بوقف إنساني قصير الأمد يتيح إدخال المساعدات، يليه وقف أوسع تحت إشراف دولي أو إقليمي لضمان عدم خرق التهدئة.
لكن تكمن الصعوبة الحقيقية في تطبيق هذه الآليات في ظل التشكيك العميق في النوايا والقدرة على التنفيذ من قبل الطرفين المتحاربين. الآليات المتصورة للضمانات يجب أن تتجاوز مجرد التعهدات الشفهية. تقليديًا، تتطلب الضمانات الفعالة وجود قوة مراقبة دولية محايدة ذات صلاحيات واضحة لفرض احترام الهدنة، وتحديد آليات للعقوبات الفورية على الجهة المخالفة. كما يجب أن تتضمن الضمانات مسارًا واضحًا لدمج القوات أو تسريحها، وهو الملف الأكثر حساسية والذي يتطلب توافقًا حول طبيعة الدولة المستقبلية. في السياق السوداني، يُعد الإطار الأمني الانتقالي هو البوابة الرئيسية لأي تسوية سياسية، وهذا الإطار يظل معلقًا بخيوط مصير قيادات الجيش الحالية ومصالحها.
وهنا نصل إلى النقطة الجوهرية التي تشكك في جدوى أي ضمانات خارجية: قضيةاختطاف القرار; داخل الجيش السوداني من قبل التيارات الإسلامية أو ما يُعرف بتنظيمات النظام السابق. يشير هذا الوصف إلى وجود نفوذ قوي لجماعات سياسية وأمنية مرتبطة بالنظام المخلوع، تسيطر على مفاصل صناعة القرار داخل المؤسسة العسكرية، وتعتبر الصراع الحالي امتدادًا للصراع على السلطة والهوية الوطنية. إذا كانت قيادة الجيش تخضع لتوجهات أيديولوجية أو سياسية تهدف إلى الإبقاء على الوضع الراهن أو العودة إلى بنية السلطة السابقة، فإن أي التزام بوقف إطلاق النار قد يُنظر إليه على أنه تكتيك مؤقت لتعزيز المواقع أو الحصول على مكاسب، وليس التزامًا حقيقيًا بإنهاء الحرب.
هذا الاختطاف للقرار يعني أن القادة الميدانيين أو حتى القيادات العليا قد لا يلتزمون ببنود الهدنة إذا تعارضت مع مصالح القوة التي تسيطر على مفاصل القرار الداخلي. بالتالي، تصبح الضمانات الدولية بلا قيمة إذا لم يكن هناك طرف داخلي قادر أو راغب في فرض التنفيذ من أعلى الهرم العسكري. إن تاريخ المفاوضات السودانية المتقطعة يوضح أن التنازلات التي تُقدم في المحافل الخارجية غالبًا ما تُنقض أو تُفَرَّغ من مضمونها بفعل الضغوط الداخلية غير المعلنة.
لذلك، لكي تنجح أي هدنة تقترحها الرباعية، يجب أن تتوجه آلياتها إلى تفكيك شبكات النفوذ هذه بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا يتطلب دمج القضايا الأمنية والسياسية بعمق. يجب أن تتضمن مفاوضات الهدنة ضمانات تضمن إبعاد العناصر المتشددة عن مراكز القرار الأمني والسياسي بعد وقف القتال. قد يشمل ذلك إعادة هيكلة شاملة للقيادة الأمنية كشرط أساسي للانتقال إلى مرحلة التفاوض السياسي الشامل. الضمانات لا يجب أن تقتصر على مراقبة وقف إطلاق النار على الخطوط الأمامية، بل يجب أن تمتد إلى ضمان نزاهة وموثوقية الطرف الذي يوقع على الاتفاق من الجانب العسكري.
علاوة على ذلك، فإن مشاركة القوى المدنية والتنظيمات السياسية المعارضة في صياغة الضمانات وتنفيذها أمر حيوي. إذا كانت الهدنة تُبرم فقط بين طرفين عسكريين يبدو أحدهما مسيطرًا عليه من قوى أيديولوجية، فإن الاتفاق سيبقى هشًا وقابلًا للانهيار بمجرد تغير الظروف الميدانية أو السياسية الداخلية لتلك القوى. يجب أن يكون هناك اعتراف دولي واضح بضرورة إشراك ممثلين حقيقيين للمجتمع المدني والأحزاب التي تهدف إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية كضامنين إضافيين للاتفاق.
في الختام، تُعد المبادرات التي تطرحها الرباعية الدولية خطوة ضرورية لإيقاف الكارثة الإنسانية في السودان. ومع ذلك، فإن نجاح أي هدنة يعتمد بشكل حاسم على قدرة هذه الآليات على تجاوز العوائق الهيكلية العميقة في المشهد السوداني. إن إشكالية اختطاف القرار العسكري من قبل الإسلاميين تجعل من أي التزام بوقف إطلاق النار مسألة تخضع للمراجعة المستمرة بناءً على المصالح الأيديولوجية وليس الضرورة الوطنية. لكي تكون الهدنة أكثر من مجرد فترة راحة مؤقتة، يجب أن تتضمن الضمانات آليات للمحاسبة والشفافية تتجاوز المراقبة السطحية، وتستهدف إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية بعيدة عن أي هيمنة فصائلية أو أيديولوجية مسيطرة. بدون معالجة هذا الاختطاف للقرار، تظل آمال السلام معلقة بخيط رفيع لا يكاد يصمد أمام أول اختبار جدي.




